![]() |
الشعب الذي قاوم العولمة منذ ثلاثين قرنا |
العرض
إنتاجات الهادي ثابت بيت الضيافة خوا طر الهادى ثابت ما نشر عن الهادي ثابت الإتصال بنا
إعلام
بحث
|
ما نشر عن الهادي ثابت - ما نشر علي الأنترنات
ما نشر علي الأنترنات
ترجمت لقراء العربية كتاب الإنسان المتعايش لجوال دو رونيي رغبة مني في أثبات شيئين ما زال الجدل حولهما قائما عند الطبقة المثقّفة العربية وهما:
اللغة العربية ليست قاصرة عن استيعاب اللغة العلمية ولا عن التأقلم مع المستحدثات العلمية المعاصرة. فرغم قدمها فهذه اللغة لها من المرونة ومن الثرى الهيكلي بحيث يسهل على المتعامل معها أن يطوعها لأي استعمال يريده. لغتنا لها ميزة، فقد ولد النص القرآني في أحشائها، وهو حاميها من التفكك، وهو زادها للتجدد. ربما لهذا السبب تستطيع لغتنا أن تصمد أمام الهون الحضاري الذي تعيشه أمّة العرب. - قصور العرب كأمة عن اللحاق بركب الأمم التي أخذت تتهيأ لاقتحام الألفية الثالثة. أمّة العرب المشتتة دويلات وشعوب لا يمكنها أن تنهض بأعباء الحداثة وما بعد الحداثة. ولذا يجب التفكير الجاد في جمع الجهود المختلفة في ميادين البحث العلمي حتى نواكب التطور السريع الذي تسير به الأمم التي وعت التقدّم الحاصل اليوم للحياة البشرية. إنّ الكرة الأرضية تضيق شيئا فشيئا بسكانها من البشر، ولم يعد مجال للحديث عن حضارات مختلفة في صراع، بل لقد أصبحت البشرية تسير نحو نمط حضاري موحد، وهو ما سيدعو إلى التفكير في مصير واحد لسكان الأرض. هذا الكتاب يطرح هذه المسألة: المصير الواحد لسكان الكرة الأرضية، ولكنه يطرحها بطريقة علمية موضوعية دقيقة. والكاتب جوال دي روني هو عالم في البيولوجيا ولكنه على دراية واسعة بالعلوم الحديثة مثل المعلوماتية، وعلوم التشعّب، وعلم الاقتصاد، وعلم البيئة... ومن منطلق هذا الاطلاع الواسع قدّم في هذا الكتاب تصوّرا للمستقبل القريب للبشرية مرتبطا بتطور العلوم الحديثة. تنبأ الكاتب بانبثاق كائن ضخم ليس له ملامح لكن وجوده فعلي وعملي، ليس له مكان لكنه يتواجد في كل الأماكن، ليس له سلطة فعلية ومحددة بل سيتحول إلى المحرك الدافع لكل السلط. إنه العنكس أي الإنسان العنكبوت الذي يرمي بخيوطه أينما كانت حياة الإنسان، وهو يستمد وجوده من الإسنان، ويعمل على تمكين البشر من أكثر تقدم وأكثر موضوعية في تسيير حياتهم وحياة كل الكائنات المتواجدة على الأرض. عندما التقيت الكاتب في مدينة العلوم بباريس سنة 1999، وكنت منغمسا في كتابة رواية في الخيال العلمي، أشار علي بكتابه "الإنسان التعايشي". قرأته، وقلت في نفسي: لو تتمكن النخب العربية من الاطلاع على هذا التفكير الجديد للابتعدت عن الثرثرة الغير مفيدة حول الأصول والأصولية. ومنذ ذلك الوقت بدأت فكرة ترجمة هذا الكتاب. وعندما جهز الكتاب، صار من الواجب نشره. وكم هو صعب نشر الكتاب في بلاد العرب، خاصة إذا كان الكتاب علميا. تطلبت ترجمة الكتاب سنتين، لكن البحث عن نشره تطلب أضعاف ذلك. ولولا مساعدة الحكومة الفرنسية لما نشر هذا الكتاب. هذا حال العرب في هذا الزمن الذي تطوق فيه الإنسانية لتوحيد جهودها من أجل حياة أفضل على الأرض. ولن تكون هذه الحياة أفضل دون البحث العلمي، والتطور السريع للتكنولوجيا، والتفكير العميق في المصير المشترك لكل البشرية. إذا ما ظللنا مستهلكين سلبيين لا نساهم في بناء حضار العلم، فسنهمّش، وسنبقى نعيش كما عبّر عن ذلك كاتب هذا الكتاب في بالون زمني مختلف عن بالون البشرية الساعية وراء حياة أفضل. لا يفوتني أن أنوّه بمساعدة الدكتور أحمد ذياب الذي حرص على مراجعة الترجمة، وهو الذي استنبط لفظة "العنكس" ترجمة للفظة "سيبنط" الفرنسية، كما استنبط كذلك لفظة "كُسيْر" مرادفة للفظة "فركتال" الفرنسية. أن تثرى اللغة العربية بلفظتين أخذ تداولهما يزداد في الدوائر العلمية العالمية لهو دليل على أنّ هناك من يريد للغة العرب أن تكون مواكبة لمسيرة العصر. مقدّمة المؤلف التّاريخ والطّبيعة عمى السّياسيّين أمام المستقبل مذهلا. عشر سنوات تظهر لهم نهاية الدّنيا. فالعالم كثير التّشعّب، وتطوّره غير متوقّّع. والمستقبل يختبئ تحت حجاب محتشم. خمس سنوات قبل العام 2000 وهل يجرؤ أحد على وصف البنى الممكنة لمجتمعاتنا التّكنولوجيّة في حدود العام 2030 (خلال جيل واحد) وعلاقاتها الممكنة مع المجتمعات الأقلّ تقدّما؟ فبالنّسبة للقرن القادم، ما عدى بعض الإستنتاجات الدّيمغرافيّة (10 مليار ساكن في غضون ثلاثين سنة) أو الإستنتاجات التّكنولوجيّة، كلّ سياق على حدة، فالمستقبل يظهر مسدودا. جدار منصوب أمامنا. فسنة ألفين، كثيرا ما نُظر إليها كأفق مستقبليّ أسطوريّ، أصبحت الآن مبتذلة وسنة 2100 لا تمثّل سوى القليل من الإهتمام في تسيير الشّؤون العاديّة. فالمستقبل صار يقبع داخل النّقاشات الشّخصيّة خلال الآجال الإنتخابيّة القادمة. التّنبؤ مستحيل يقول المختصّون، بأنّ التّطوّرات فوضويّة ومتقلّّبة واحتماليّة ونزويّة وهي تخضع لاندفاعات فجئيّة تصحبها فترات ركود. فحدث عاديّ وقع في ظروف ملائمة، تضخّمه وسائل الإعلام، يمكن أن يبدّل مصير أمّة. فهو ما يعبّر عنه ب"تأثير الفراشة" الّذي عمّمه إدوارد لورنز، أحد واضعي نظريّة الخوى. وحسب تعبيره الشّهير، فتصفيق جناحي فراشة في سنغافورة يمكن أن ينجرّ عنه إعصار في الكارائيب بسبب تقلّب كتل الهواء في الجو. ولذا فكلّ تنبّأ لا يمكنه أن يكون واقعيّا إذا ما تجاوز السّنتين أو الثّلاث سنوات، والأمثلة متعدّدة: من انهيار الإتّحاد السّوفياتيّ سابقا بعد سقوط جدار برلين إلى السّلم بين إسرائيل وفلسطين أو تأثيرات "السّيدا أو الإيدز" على الإقتصاد والسّياسة. كلّ هذه الأحداث لم تكن متوقّعة قبل خمس عشر سنة. وإن كانت هذه الأحداث تصنع التّاريخ، لكنّ كتابة التّاريخ بصفة موازية لمسايرة التطوّر لم يعد مقتصرا على رجال السّياسة والإقتصاد، ولا حتّى الصّحفييّن أو علماء الإجتماع. توجد قوانين طبيعيّة أكثر قوّة من الّتي تحكم مجتمعاتنا. قوانين تخضع لها تنظيمات الطّبيعة - وهي الّتي تتمثّل في الجزيئات والخلايا والحشرات وحتّى الإنسان. ومعرفة أدقّ لهذه القوانين، ومعها يصعب التّساهل، يمكن أن تنير لنا الطّريق. هذه المعارف يمكن أن تبزغ قريبا. ويمكنها أن ترسي قواعد الوفاق بين التّصرف السّياسيّ والإقتصاديّ التّقليديّ للعالم وقيادة محكمة بإعانة لوحة قيادة تتولّد عن نظرة موحّدة لعلوم التّشعّب. لا ننسى أن علم التّوجيه (فنّ قيادة الآلات) و"حكومة" (فنّ التّصرّف في النّظم المتشعّبة) لهما نفس المرجع. في اليونانيّة: يعني الدّفّة أو الموجّه. استعارة الصّيبيونت ( العنكس)[1] بما أنّ التّاريخ والسّياسة لا يستطيعان إنارة المستقبل، ماذا يمكن أن تشير به معطيات الحياة؟ إنّها تشير أنّ انقلابات تُهيّأ. وأنّ الحياة، مثلا، ستتبرعم من جديد. في الحقيقة، لم تنقرض الحياة أبدا على الأرض. هي بالعكس في تفاقم: والإنفجار السكّاني يذكّرنا بحيويّتها. لكنّ هذه المرّة سينبثق شكل آخر من الحياة، ومن التّنظيمات الّتي لم يصل إليها بعد التّطور: إنّها حياة ضخمة في مستوى الكوكب قاطبة، وهي في تعايش مع الجنس البشريّ. هذه الحياة الهجينة، هي في الآن نفسه، بيولوجيّة وميكانيكيّة وإلكترونيّة وهي في طور الولادة أمام أعيننا. ونحن نكوّن خلاياها. بطريقة غير واعية بعد، نحن نساهم في اختراع استحالتها، في سيرانها، في وضع نظامها العصبيّ. نحن نسميّ كلّ ذلك: إقتصاد وأسواق وطرقات وشبكات إتّصال أو طرقات سيّارة إلكترونيّة ولكنّها هي في آخر الأمر أعضاء ونظم حياتيّة لتنظيم ضخم في صدد الظّهور. وسيقلب مستقبل البشريّة ويُكيّف نموّها في غضون الألفيّة القادمة. ولادة هذا الجسم ومدلولاته بالنّسبة لحياتنا الحاضرة، وقراراتنا الشّخصيّة والجماعيّة في بناء المستقبل ستكوّن المحور المركزيّ لهذا الكتاب. وكل شكل جديد للحياة له الحقّ في إسم. وأقترح لتسمية هذا الجسم الكوكبيّ: "العنكس". اسم استوحيته من فنّ قيادة الآلات و"بيولوجيا" علم الأحياء. وهو يمثّل كما سنرى، نموذجا افتراضيّا، استعارة نافعة لتصوّر بعض مراحل المادّة، والحياة، والمجتمعات البشريّة على أرضنا. حُدّد في مستقبل لا يهمّ معرفة زمانه بالتّحديد ( ربّما خلال النّصف الأوّل أو الثّاني للألفيّة الحاليّة)، هذا الجسم الضّخم يوجد الآن في حالة بدائيّة ويعيش في شموليّته. ولن يولد أبدا في مرحلة واحدة، ولن يكون أبدا كاملا. سأصفه لاحقا من خلال بعض النّوادر والقصص. إنّ اللّجوء إلى هذا المثال يعتبر شكلا من أشكال البحث المستقبليّ الّتي تظهر لي ضروريّة لبناء مجتمعات الغد. ومن مزاياها أنّها تمكّن من إنارة الحاضر الآنيّ وذلك بالسّعي المستقبليّ. لمّا نتخيّل أو بالأحرى لمّا نتصوّر العلاقات التّعايشيّة بين الإنسان والعنكس، يصبح ممكنا أن نختار ذلك الطّريق، أو تلك البنية، أو تلك المرحلة الوسط. بفضل هذا التّوجّه المتكرّر بين الحاضر والمستقبل انطلاقا من مثال -نقطة انطلاق ولا نقطة وصول- تأخذ الأحداث والوضعيّات والتّيارات والتّطوّرات أكثر بروزا وأكثر بعدا، وتترتّب، فيسهل أخذ القرارات. سوف تترك الصّفة الغير متوقّعة للعالم الّتي هي نتيجة مضاربات قديمة، مكانها، بتطبيقات منهج البحث المتكرّر بين الحاضر والمستقبل، إلى فرضيّات بنّاءة. التّرحال بين التّوقع والمراجعات والتّناسق يمكّن من إثبات الأحداث. وعوض تحاليل الوضعيّات المبعثرة منعكسة على مستقبل غير مؤكّد، فإنّها ستكوّن مجمل الأحداث الحاملة للمستقبل متضافرة نحو مثال مؤقّت يثري هذه النّظرة الجديدة المستقبليّة. وكما يذكّر به شعار الباحثين في شركة المعلوماتيّة الأمريكيّة كزيروكس، "أحسن طريقة للتّنبؤ كيف يكون الغد هو أن نخترعه". العلوم الحديثة للتّشعّب حتّى يكون هذا ممكنا، علينا أن نوفّر آلات جديدة وفعّالة. فالتّحليل الموضوعيّ الّذي يقسّم التّشعّب إلى عناصر بسيطة لم يعد كافيا لفهم حيويّة الأنظمة وتطوّرها. لأنّها وإن كانت مؤهّلة لعزل العوامل المحدّدة في سير هذه الآليّة أو تلك، فإنّها سوف تخفق في فهم تمشيّ التّنظيم الذّاتيّ والإنتقاء الذّاتي. فطريقة النّظامية، المنبثقة عن علم التّحكّم ونظريّة النّظم الّتي نشأت ولقيت نجاحا باهرا في الخمسينيّات، أكملت المقاربات التّحليليّة التّقليديّة. فالنّظامية، وهي تركز على التّرابط بين العناصر المختلفة المكوّنة للنّظم، وإلى مستويات تنظيمها وحركيّتها وتفاعلاتها، تمكّن من وصف دقيق للتّشعّب، وخاصّة من التّأثير عليه بأكثر فاعليّة. التّحليليّة والنّظاميّة هما متكاملتان، وهو ما سنراه في الجزء الأوّل من هذا الكتاب. لقد تمّت خلاصة في المستوى العالي بين هذه المقاربات المختلفة في غضون هذه السّنوات الأخيرة. هذه الخلاصة أنجزت عن طريق "علوم التّشعّب" وهي الّتي تضمّ ما سمّي ب"نظريّة الخوى" و"نظريّة التّنظيم الذّاتيّ". وهي الّتي تلقي نظرة جديدة على الأنظمة الفيزيائيّة والبيولوجيّة (الحيويّة) والإجتماعيّة والبيئيّة. إنّه تمشّ موحّد يكشف عن الثّوابت الكبرى للطّبيعة الّتي تحدّثت عنها آنفا، ويظهر شموليّتها. فنظريّة النّظامية الّتي يختصّ بها "المجهر الضّخم"، هي تمشّ وصفيّ وتعليميّ يمكّن من فهم جيّد للتّشعّب. والمقاربة الجديدة تقترح وسائل للتّأثير على التّشعّب. فهذه النّظريّة تحاول شرح كيف يتحقّّـق الإنتقال بين تنظيم في مستوى معيّن والتّنظيم الّذي تكوّن عناصر بنائه. فالطّبيعة تتصرّف من خلال تجمّعات تراتبّية للبُنى والوظائف في نطاق تركيبات من الصّنف العالي معادة التّأليف بينها: خلايا داخل أجسام، أجسام داخل مجموعة السّكّان ومجموعة سكّان داخل نظام بيئيّ... كما سأبيّنه في آخر الفصل الأوّل، فإنّه بالإمكان اقتراح نظريّة موحّدة للتّنظيم الذّاتيّ وحركيّة النّظم المعقّّدة. وستصبح ضروريّة لمساعدتنا على إنارة المستقبل وفي نفس الوقت، تمكنّنا من الإختيار الأمثل، في تناسق مع قوانين الطّبيعة والبنى والوظائف الضّروريّة لحياة الإنسان التّعايشيّ وحريّة تحرّكه. هذه النّظريّة الموحّدة ستكون الخطّ الموجّه لهذا الكتاب. الأداة الّتي سأستعملها في مسيرتي هذه ستكون الحاسوب. ولن يكون فقط الحاسوب "الحفّاز"، المسرّع لتشغيل مجتمعاتنا، إنّما سيكون كذلك الحاسوب كآلة للملاحظة المباشرة للتّشعّب. الحاسوب-المجهر الضّخم. ومن خلال مقدرته على المحاكاة، سيُمكّن كلّ التّجارب المعلوماتيّة الّتي لن تكون ممكنة إلاّ في المخبر. عندما استُعمل الحاسوب من طرف روّاد علوم التّشعّب، مكّن مثلا، من فهم جيّد لأصل الحياة وللتّطوّر البيولوجيّ وللخلق من خلال الفوضى والتّشغيل المضبوط لنظام بيئيّ أو إقتصاديّ. هذه الوظيفة الجديدة للمعلوماتية سنصفتها بدقّة في الفصل الأوّل المخصّص لأدوات دراسة التّشعّب وللتّجارب المحاكاة الّتي تمكّن من ضبط القواعد الأساسيّة للتّنظيم الذّاتيّ. سينبثق شكل جديد لفهم الطّبيعة من خلال استعمال هذه الأدوات: الفهم من خلال التّآلف عوضا عن التّحليل. فالبحث عن الجزيئات الأساسيّة، الّذي من المفروض أن يشرح بطريقة سببيّة (علّية) التّطوّر اللاّحق للمادّة نحو مراحل متزايدة في التّعقيد، لا يمكّننا من فهم دقيق للعالم، ولا يقرّبنا منه أكثر. فالتّفسير ذا الدّلالة لا يمكن أن ندركه بالتّحليل. وخلافا لذلك، عندما نفهم عن طريق التّأليف - وبمساعدة الحاسوب - كيف تتألّّف العناصر في مجموعات أكثر تعقيدا، أو كيف ينشأ التّطوّر الشّامل من خلال تلك التّفاعلات، فإنّنا نقترب أكثر من الطّبيعة. ونشعر أنّنا جزء منها. ونفهم جيّدا مكانتنا ودورنا داخل الكون، فنعي أكثر أفعالنا ونؤسّس لها ونشرّعها. فظهور قطاعات جديدة وفي بعض الأحيان مقلقة، مثل الحياة الإصطناعيّة أو الواقع الإفتراضيّ يدخل في نطاق صيغة جديدة لعلوم التّشعّب. تعايش كوكبيّ أحد أكبر التّحديّات للألفيّة الثّالثة سيكون بالنّسبة للإنسانيّة البناء المُتروّ والواعيّ لشريكها التّعايشيّ. لقد شُرع بعد في إنجاز هذه المرحلة القادمة من التّطوّر البيولوجيّ والتّقنيّ-الإجتماعيّ. ففي نطاق التّطوّر القبل بيولوجيّ (الحيويّ) الّذي قاد إلى انبثاق الخلايا الأولى، تمّ اختيار البنى والوظائف الأساسيّة للكائن الحيّ: دنا غشاء، مراكز الطّاقة، أيض قاعديّ وذلك انطلاقا من تفاعل الإختمار والتّمثيل الضّوئيّ والتّنفّس. اليوم، نحن نُنشئ من الدّاخل حياة جديدة هجينة. نحن نساهم كممثّلين في مسرحيّة لم تنشر بعد: الأصول الجديدة للحياة. خمائر للخليّة الأولى ذات أبعاد تشمل الكوكب. إنّنا نعمل دون تخطيط مسبّق، ولا نوايا واقعيّة، وبطريقة عشوائيّة، على بناء معلم سيجتازنا. علينا أن نعي أنّ وظائف الطّاقة والإقتصاد والبيئة والتّعليم في مجتمعاتنا هي في النّهاية وظائف أساسيّة لتنظيم ضخم حيّ، هذا الوعي ليس حافز فحسب، بل هو دافع لتحمّل مسؤوليّتنا. وهو بالتّالي يضع العمل الفرديّ في قلب تطوّر العالم. مع هذه النّظرة، فالسّؤال القديم حول طبيعة "إنسان المستقبل" تأخذ منحى آخر. لن يكون الإنسان الخارق، ولا الرّبو الحيويّ، ولا الحاسوب الخارق ولا الآلة الضّخمة، رجل الغد سيكون بكلّ بساطة الإنسان التّعايشيّ، في شراكة متينة -لو وصل إلى إنشائه- مع النّظام المجتمعيّ الّذي سيعبّر عنه من خلال حواسّه ودماغه وعضلاته. تنظيم ضخم يتغذّى ويعيش من حياة الخليّة، عصب الأرض الّذي نحن سنصبحه. بعد ظهور الإنسان العاقل الّذي بحث من خلال ذكائه أن يهيمن على الأجناس الحيّة، والرّجل الصّانع الّذي تحكّم في الأدوات والآلات، أو الرجل المقتصد، مستهلك وقنّاص، ها هو زمان الإنسان التّعايشيّ قد أتى، وسيعيش في تناسق مع كائن أكبر منه وهو الّذي ساهم في إنتاجه، لينتجه بدوره. في كتابي المجهر الضّخم الّذي صدر في سنة 1975 حاولت أن أحدّد هذا الشّكل الجديد للحياة الجماعيّة والّذي أصفه اليوم: "الأرض تأوي جنين جسد وتخطيط فكر. هذا الجسد يظلّ حيّا بفضل الوظائف الكبرى البيئيّة والإقتصاديّة الّتي تكوّن بيئة الكوكب. فالضّمير الجماعيّ ينبثق من الإتّصال المتزامن لأدمغة البشر. (...) وفي ما وراء التّصرّف في الطّبيعة، سيكون بعث الطّبيعة التّعايشيّة من خلال العلاقات بين المجتمع الإنسانيّ وبيئة الكوكب، وكل منهما يستعمل الآخر لمصلحتهما المشتركة." وخلاصة الحياة الضّخمة للكوكب وظروف ظهور الإنسان المتعايش سيكونان موضوع الفصل الأوّل. سأركّز بالخصوص في هذا الفصل على ثلاث مراحل أساسيّة لهذه الولادة: التّنظيم الذّاتيّ والتّطوّر المتزامن والتّعايش. الجزء الثّاني من الكتاب سيتناول العلاقات بين دماغ الإنسان والحواسيب ودماغ الكوكب. وسأصف الحياة اليوميّة للحياة الموجّهة الّتي ستفضي إلى ضمير جماعيّ ناتج عن تكافل الأدمغة والشّبكات في فضاءات جديدة باطنيّة من الإتّصالات. عالم للإختراع أنا واع بالمخاطر الّتي تُحدق بمثل هذه المقاربة. هل يمكن أن نتصوّر تنظيما ضخما واحدا على نطاق الكوكب، الحياة الموجّهة، ويكون النّقطة الّتي تلتقي فيها كل أشكال المجتمعات الإنسانيّة؟ وكلّ تنوّع من العالم في هذا المثال المبسّط. وزيادة على ذلك فدماغ الحياة الموجّهة للكوكب ( أدمغة إنسانيّة وحواسيب وشبكات إتّصال مترابطة ) وأيضا للمحافظة الذّاتيّة ( إقتصاد وعوامل الطّاقة العالميّة ) تنجم عن التّطوّر الجماعيّ للمجتمعات المتقدّمة تكنولوجيّا وصناعيّا. كيف ستكون مساهمة بقيّة العالم في بناء مثل هذا التّنظيم؟ كيف ستترجم حركات الرّفض المشروعة لمثل هذه التّقنية العالية؟ فالسلفيّة والأيديولوجيّات تعمل بعمق داخل المجتمعات البشريّة. وكما سنرى، فهناك مجموعات تعيش في "فقاقيع زمنيّة" مختلفة "الكثافة"، ولو أنّها تعيش معنا من خلال السّاعة في الزّمن العالميّ. لكي نجيب على كل هذه الأسئلة، سيتطرّق الفصل الثّالث إلى السّياسات والصّناعات وطرق التّعليم وقيم المستقبل مستعينا بمختلف الطيّارات والطّرق المتداخلة. غير أنّه لا بد أن نحدّد مجدّدا أنّ استعارة عبارة "الحياة الموجّهة" هي مثال احتماليّ ومبسّط موجه إلى استفزاز الوعي: الوعي بالمرحلة القادمة -وأعتبرها ممكنة - لتطوّر الجنس البشريّ في تطوّر موحّد مع الآلات وتنظيماتها. وقائمة المخاطر الّتي تترصّد مشروعي طويلة. فإزالة الحدود بين الطّبيعيّ والإصطناعيّ يعرّض إلى خطر الإختزاليّة أو "إمبرياليّة" العالِم في سعيه لاجتياح العلوم الإنسانيّة. ولن أبحث على اختزال اكتشافات الإنسان في انبثاقات عفويّة متأتّية من ميكانزمات (آليّات) التّنظيم الذاتيّ، ولا إلى استقراء قوانين الفيزياء أو البيولوجيا على النّظم الإجتماعيّة. هدفي يتمثّل في توضيح القواعد البسيطة الّتي تطبّق على تطوّر مجموع المادّة المنظّمة واستخلاص الدّروس الّتي تفيد حركتنا في المجتمع. وسترتفع هكذا، وحالما نأخذ في وصف حياة تنظيم في مستوى من التّعقيد أكبر من تعقيدات المجتمعات البشريّة لتشملها في علاقة تعايشيّة، أصوات الإنتقادات الخاصّة بالحيويّة والحياتيّة والحلوليّة. لم تكن لي ميولات تشبيهيّة ولا حياتيّة. سأقتصر فقط في تحليلي بالاعتماد على المبادئ العامّة النّظاميّة المنبثقة من علوم التّشعّب. ولا أتصوّر أنّ أيّ أيديولوجيا ستحكم هذا المثال الموحّد لمرحلة قادمة للتّطوّر البشريّ. الجماعيّة والنّظرة الكليانيّة ستكونان غائبتان عن منهجيّتي. ستتدخّل وحدها طبيعة التّنظيمات في مستويات تراتبيّة تشمل مجموعات العناصر في نظم متشعّبة، ابتداء بالذرّة وصولا إلى المجتمعات الإنسانيّة. وأخيرا، ولو أنيّ وإن أكّدت على خطوات التّقدّم التّكنولوجيّ الهائل الّذي سمح بانبثاق الوظائف الحياتيّة للحياة الموجّهة، فلا يمكنني أن أنسى تأثيرات الأديان والفروقات الإقتصاديّة والإجتماعيّة والخوف والعنف والمرض والمجاعة والحرب. كما سأوضّحه في الجزء الأخير للكتاب، فإنّ نظرتنا للعالم مشوّهة بما تعكسه وسائل الإعلام عن تطوّره، حيث لا نرى منه سوى الكوارث والمآسي الإجتماعيّة والفضائح والحروب والفتن والأعمال الإرهابيّة والمخدّرات والأوبئة وهو ما يثبط العزائم أحيانا، ويفتر الهمم في تحمّل المسؤوليّة في غالب الأحيان. يظهر لي أنّه علينا أن نفهم أكثر العالم لنتمكّن من تغيير الأشياء. وهذه النّظرة الجديدة لدورنا في الطّبيعة والّتي أتت بها المقاربة الشّموليّة ستجعلنا، على ما أعتقد، قادرين على ذلك. إنّي أدعوكم إلى نظرة متفائلة لعالم سنبتكره. وسأبقى في المدار العلميّ والتّكنولوجيّ الّذي هو ميدانيّ، واع بأهميّة الإضافة للتّمشّي السّياسيّ والإقتصاديّ والرّوحانيّ في تطوّر المجتمعات. إنّ ّمبادئ علم التّوجيه وحكم البشر كتلتان متكاملتان. ولن أنظر هنا إلاّ لوجه واحد في نطاق تحمّلنا لمسؤوليّتنا الفرديّة والجماعيّة: تلك الّتي تنجرّ عن الرّقيّ العلميّ والتّكنولوجيّ. هذه المحاولة لن تكون أطروحة ولا هي مذهب ولا هي أخلاقيّة بل هي عرض لنظرة على تطوّرنا، وهي دعوة لاكتشاف مسالك جديدة لبناء عالم الغد. الكتاب الكُسَْير كلمة أخيرة عن بنية الكتاب. إنّه يقترح شكلا جديدا من الإتصال. سأسمّيه الإتّصال الكسيريّ هذه العبارة أتى بها الرّياضيّ الفرنسيّ بنوا مندلبرو في سنة 1969، وهي تطبّق على كلّ شكل أو بنية تبقى متطابقة لذاتها كيفما كان المستوى الّذي نلاحظه منه. فمثلا غصن صغير لشجرة يشبه غصنا كبيرا، وهو بالتّالي يشبه الشّجرة في جملتها؛ وورقة السّرخس تشبه النّبتة كلّها؛ وبلّورة ثلج تشبه أصغر البنى البلّوريّة الّتي تكوّنها؛ كذلك قطعة من ساحل صخريّ تشبه أصغر صخرة من صخوره. فالبنية الكسيريّة (ذات الصّورة المصغّرة) تبقى رقيقة في جملة مستويات الملاحظة. في هذا الكتاب، سأضع حيّز التّطبيق شكلا من أشكال الإتّصال الكسيري (ذا الصّورة المصغّرة): فعوضا عن خطاب خطّيّ ومقطعيّ متّبع تسلسل الحجج في ترتيب اعتباطيّ للعرض، سأبحث على عرض أفكاري من خلال سلسلة تراكيب منتظمة في شكل كسيريّ. من كل كلمة يمكن أن تتولّد صفحة، ومن كلّ صفحة، كتاب... في الوقت الّذي يتّجه المنهج الخطيّ التّقليديّ وهو يبحث عن تجنّب التّكرار، فأنا لا أخشاها. هذا الموضوع سيقع إعادته فيما بعد، سيتبلور، ويوضّح في سياق آخر. فأشكال الإتّصال الكسيريّ لهذا الكتاب متداخلة. جملة واحدة يمكن أن تحتوي مجمل أطروحتي، والإطنابات أحد الفصول يمكن أن تثري اقتراحا كنت قد ناقشته في سياق آخر. يمكننا أن نولّد أشكالا كسيريّة متناهية التّعقيد من خلال قواعد رياضيّة بسيطة ومتكرّرة. التّشعّب ينبثق من التّبسيط المجزّأ. إنّها من أكبر قوانين الطّبيعة. فليكن هذا الكتاب بذرة من التّشعّب البسيط.
[1] كلمة استوحاها الدكتور أحمد ذياب وهي تحتوي على لفظتي عنكبوت وإنسان ![]() سرد شفاف يجمع بين التاريخ والسياسة: تعددت الأشكال والاغتصاب واحد هويدا صالح
تعمد الرواية إلي تصوير المشهد السياسي والأيدلوجي في تونس في فترة الستينيات مع رصد للتحولات السيسيولوجية والسيسيوثقافية التي حدثت في المجتمع من خلال إجابته عن عدة أسئلة تتعلق بملامح الهوية التي ما زالت مثارا للجدل. أجاد الكاتب نسج سرد شفاف يأخذ من التاريخ بحظ ومن السياسة بحظ، وأفلح في تشكيل صورة عن نفسه ومجتمعه وتاريخه وقيمه، فالسرد هو الوسيلة التي يستعين بها الجميع دون استثناء في التعبير عن أنفسهم وعن غيرهم. طرح عدة قضايا يمكن اعتبارها بنت اللحظة الراهنة وتابوهات مازلنا نتحسس طريقنا ونحن نقترب منها. منذ الصفحة الأولي يضعنا الكاتب في قلب الحدث، فها هي مجموعة من الصغار يلعبون لعبة شعبية في زقاق بحي البرج بتونس وهي لعبة الكجٌة ، وفتي يكبرهم سنا يمارس عليهم القهر، وإذا بالصغار يتمردون علي استلابه لهم، يتحولون إلي متمردين يقتلون من يغصبهم ويقهرهم، وضعنا الكاتب في قلب العنف والقهر الذي ساد المجتمع، وبعد هذا الحدث الذي لم يمر عارضا يشيع الغضب والخوف في المكان، وتمارس السلطة دورها في قهر هذا الحي الفقير الذي انتهز شبابه فرصة دفن القتيل ليتظاهروا سلميا وينددوا بالفقر والاستلاب لهذا المجتمع البروليتاري، ويظهر دور اليسار الذي سيطر علي فكر الناس ومشاعرهم. كما طرح الكاتب قضايا أخري مثل دور المثقف الذي تراجع، وعلاقته بالسلطة، فنجد برهان ذلك المثقف اليساري الذي كان يقود المجتمع، و يقوم بعملية تثوير الجماهير، يناوئ السلطة، ويرفض هيمنة الفكر الأصولي علي الناس، إلا أن هذا المثقف الذي أقام من نفسه صوتا للجماهير حينما دخل السجن وتعرض للتعذيب، ينقلب دوره، ويكفر بمبادئه، بل يتحول لبوق من أبواق السلطة. كذلك طرح الكاتب قضية المرأة، التي تعاني من قهر مزدوج ، قهر السلطة والمجتمع لها، وقهر الرجل، فشخصية وردة التي تشير إلي وضعية المرأة العربية والتحيز السلبي ضدها رسمها الكاتب بمهارة فائقة، فهي طالبة الجامعة، تسعي في مسعي جاد إلي أن يكون لها دورا في حركية النضال فيه، تساند برهان والعاتي، إلا أنها تتعرض للاغتصاب هي الأخري علي يد ابن خالتها وابن طبقتها الأرستقراطية، ويتخلي عنها برهان أستاذها الذي عشقته وتوحدت مع فكره، صنعها الكاتب لتكون معادلا موضوعيا للرجل المغتصب . هي والعاتي تمٌ اغتصابهما، وكلاهما أخفي ذله ومهانته، وكأن الكاتب يؤكد لنا أن القهر واحد والاغتصاب واحد للمجتمع التونسي كله نسائه ورجاله. كذلك قدم لنا عددا كبيرا ومتشعبا من الشخوص التي تتقاطع وتتوازي لتمثل المشهد السيسولوجي والثقافي للمجتمع، شخوص سحقتهم الهزائم و الانكسارات بشتي صورها علي اختلاف توجهاتهم. بطل الرواية، هو العاتي الذي يسجن في أحداث الشغب التي تلت موت الفتي في زقاق حي البرج، يتعرض للتعذيب، حتي يشي بأفراد التنظيم، إلا أنه يرفض أن يبوح بأي معلومات عن التنظيم اليساري، فيتعرض للاغتصاب علي يد معذبيه،وبعد فشل رحلته عبر التنظيم اليساري وتعرضه للاغتصاب الفكري والجسدي يذهب إلي باريس وهناك يقابل واحدا من الأصوليين الذي يتحايل عليه بشتي الوسائل النفسية حتي يستميله إلي فكر مناهض ومغاير تماما لقناعاته السابقة، ثم يعرض عليه أن يسافر إلي باكستان في رحلة تبدو مبهمة، لكن العاتي أمام الضغط النفسي والخيانات التي تعرض لها يقبل بالسفر، ويميل إلي تبني الفكر الأصولي. يتحول من أقصي اليسار إلي أقصي اليمين، و يتمٌ غسل مخه. الاغتصاب أخذ في الرواية تجليات وتمظهرات عديدة :اغتصاب الجسد الذي تعرض له العاتي، وتعرضت له أيضا وردة تلك الفتاة التي انخرطت في التنظيم، واغتصاب الروح الذي يتعرض له المجتمع كله.. واغتصاب الفكر الذي تعرض له المثقف... يقول بقي ينظر إليهم كالمعتوه، فاقدا كل إحساس بالوجود. كانت رغبته في الفناء أكبر من رغبته في البقاء، فتركهم يقتلونه قبل أن يكون هو قاتل نفسه. لما شعر المحقق أنه لن يستخرج منه أي كلمة ترك سبيله، ولم يعد لاستنطاقه، لكن الجلاد تمادي في اغتصابه كامل الفترة التي قضاها في الاعتقال . يتشكل البعد الدلالي للرواية من الشخصيات المتمايزة والأحداث في فضاء محدد، ثم الحدث المتنامي بشكل أفقي، كذلك تفكيك القناعات التي رسخت في عقول المجتمعات العربية طويلا، فتحول المجتمع من اليسار إلي اليمين، من الفكر اليساري العلماني إلي الفكر الأصولي. شكل الكاتب قضاياه سرديا باللغة الشفافة التي تصل إلي حد المباشرة، ولكن تلك اللغة الشفافة المباشرة يقصدها الكاتب ويعمد إليها، فهو معني بزلزلة القناعات الراسخة طويلا. ينجح الكاتب في التعبير عن انتمائه الثقافي، ومعه العديد من الشخصيات المختلفة في ثقافتها وانتمائها وهويتها. يصنع لها الكاتب فضاء سرديا محكما، ويجهز لها صراعات متعددة المستويات. ينجح الهادي ثابت من خلال سرده الشفاف المملوء بالتحليل والاستنطاق والوصف، في رصد تفاصيل المكان بلغة بصرية مشهدية، أما الزمن في الرواية فقد نمي نموا متصاعدا منذ لحظة الحدث الأول، وهو مشهد قتل الفتي، وحتي المشهد الأخير وهو سفر العاتي إلي باكستان، وكأن الرواية جاءت بين قوسين زمنيين مفتوحين علي نهاية تفتح أفق التوقع لدي القارئ.
الحرّية الخميس 29 ماي 2008 حوار مع الروائي الهادي ثابت ـ1ـ
أدب الخيال العلمي لايقتصر على الرواية، إنه يمسّ كلّ ميادين الابداع الأدبي
حاوره: فتحي الصيفي
الروائي التونسي الهادي ثابت هادئ في ملامحه. ثابت في اختياراته الابداعية: الرواية واسع الاطلاع المعرفي، منطلقا، دوما من تحليل الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي وتنزيله ابداعيا، وسيلته في ذلك روايتا الخيال العلمي والواقعية. مؤمن بالعلم ايمان العجائز بالخرافة. لايرى للعرب من مستقبل باهر وانساني الا من خلال الديمقراطية والعلم. يعترف للسلطة التونسية بتسامحها فهي لم تضايقه حتى عندما يعلو صوته ناقدا لبعض المواقف والاوضاع، له من الخيال ما سمح له بأن يحلق به في الفضاء، وله من الصبر الايوبي ما مكنه لا من ترجمة مصطلحات علمية دقيقة فحسب بل وتطويعها سرديا في مشروعه الروائي: الخيال العلمي
نشر الروائي الهادي ثابت الروايات التالية:
ـ غار الجن (رواية في الخيال العلمي)دار سيراس للنشر 1999 ـ جبل عليين (في الخيال العلمي) دار سيراس للنشر 2001 ـ القرنفل لايعيش في الصحراء (في الواقعية) 2004 تحصلت على الجائزة الاولى للرواية «كومار» 2004 ـ لو عاد حنبعل (في الخيال العلمي) المؤلف، تونس 2005 ـ الاغتصاب (في الواقعية) شمس النشر والتوزيع القاهرة 2008 بمناسبة استضافته في نادي «اضافات» بحمام الانف مؤخرا وتزامن ذلك مع صدور روايته «الاغتصاب» كان لنا معه الحوار التالي:
* ما رواية الخيال العلمي؟ وماذا تردون على الذين يرون فيها توهيما لايختلف عن الاساطير، فكليهما يحاول ان يخرج القارئ من لحظته الراهنة؟
ـ في البداية لايقتصر ادب الخيال العلمي على الرواية، انه يمس كل ميادين الابداع الادبي، هنالك الشعر والمسرح والقصة وطبعا الرواية. وهذا النوع من الادب الذي اصبح في هذه السنوات الاخيرة يكتسح الساحة الادبية في البلاد المصنعة ظهر، والحقل يقال، في منتصف القرن التاسع عشر مع جول فارن وجورج ويلز، اي في فرنسا وانقلترا قطبي المجتمعات البرجوازية والروايات التي ظهرت قبل هذه الحقبة لايمكن ان نضعها في خانة رواية الخيال العلمي لانها لم تكن تعتمد، بكل بساطة طرحا علميا مستوحى من الاكتشافات او النظريات العلمية. هذا التحديد بالنسبة لي ولغالبية المنظرين في تاريخ ادب الخيال العلمي هما انه يمكننا من ضبط الحدود بين اصناف اخرى من التخيل تستكشف عوالم بعيدة عن الواقع المعيش الراهن.
* أعتقد أن أدب الخيال العلمي يمثل رؤية جديدة للانسان والكون والمستقبل * رواية «القارة المفقودة» للصادق الرزقي (1874ـ1939) يمكن اعتبارها اول رواية تونسية * كانت قرطاج أول جمهورية عرفتها البشرية
بقي ان نشير الى ان التعريفات الممنوحة لهذا النوع متعددة ومتناقضة احيانا فبعضهم يدخل في خانة ادب الخيال العلمي بعض اليوطوبيات مثل جمهورية افلاطون، او حي ابن يقظان، او روايات الانقليزي مور وغيرها من اليوطوبيات التي حاولت تخيل عوالم يكون فيها الانسان اسعد مما هو عليه. كما ان الادب العجائبي fantastique ليس ادب الخيال العلمي لانه لايستند الى النظريات او الاكتشافات العلمية وكذلك الادب السحري *e mervei**eux مثل حكايات «الف ليلة وليلة» او بعض الروايات لادباء امريكا اللاتنية لايمكن تصنيفها كأدب خيال علمي. اذا ما استبعدنا هذه النماذج من التخيل، توصلنا الى تعريف ادب الخيال العلمي على انه الادب الذي يعتمد الظواهر العلمية سواء الواقعية او الخيالية ، لان التمشي العلمي يسمح بتخيل الحلول التي من شأنها الوصول الى تخطي الصعوبات العلمية الراهنة في المستقبل بالاعتماد على الخيال والمعلومة العلمية. ولكي اعطي للقارئ الكريم صورة توضح هذا التعريف اخذ مثلا مشكلة الطاقة التي ارهقت البشرية في الوقت الحاضر للعلماء تصورات كثيرة لحل هذه المشكلة، ولكن هذه التصورات لايمكن تطبيقها لانها مازالت نظرية ومخبرية ولم تصل طور التصنيع، من خلال التصورات المستقبلية المتعددة يأتي كاتب الخيال العلمي ويسوغ سرده واضعا في التطبيق الافتراضي تلك التصورات العلمية، ومن هنا نشأت رواية الخيال العلمي. واعتقد ان كثيرا من المسؤولين في الدول الرأسمالية والتي لها مخابر تستشرف المستقبل اعتمدوا على كتّاب الخيال العلمي لمساعدتهم على تنمية الخيال في ذلك الاتجاه صحيح ان ادب الخيال العلمي يخرج المتلقي من لحظته الراهنة، ويسافر به الى المستقبل الذي لايكون دائما مشرقا او الى الماضي السحيق، لكنه يحاول في الغالب شرح اسباب تلك التحولات واقناع المتلقي بامكانية ذلك الواقع الخيالي الذي انشأه الكاتب فالمجتمعات الحديثة تجد في ادب الخيال العلمي متنفسا للضغط الذي يسلطه التطور السريع في جل ميادين الحياة. لأن هذا الادب بانشائه عوالم يسوسها العلم، يرسخ في ذهن المتلقي القناعة بأن الانسان اخذ يتحكم في مصيره، وبدأ يسير في طريق جديدة اخذت تظهر معالمها وابعادها.
كان الانسان منغلقا على نفسه قبل ان يتمكن من الخروج الى الفضاء الرحب للكون. ويلوك مقولات تهرأت لانها لم تواكب تطور العقل البشري. ويتصور نفسه سرة الدنيا ومن اجله خلقت. ها هو اليوم يغادر الكهوف التي بناها عقله القاصر ويكتشف انها لايساوي شيئا امام عظمة هذا الكون، ذرة صغيرة من ذراته، لكنها ذرة عاقلة تحاول فهم القوانين المتشعبة التي تحكم هذه الفوضى الهائلة من هيجان المادة أليست هذه الصورة للدنيا حرية بأن تستلهم خيال الكاتب؟
كانت البرجوازية الطامحة الى السيطرة على العالم في بداية القرن التاسع عشر في حاجة الى ادب يضع طموحاتها في الهيمنة واستكشاف الخيرات، والى روافد ثقافية ترسخ فكرها التواق الى دفع عجلة الزمن نحو مزيد من المعرفة والاستكشاف وبالتالي الى مزيد من الخيرات والربح، هكذا كانت ايديولوجيا البرجوازية عندما اخذ جول فارن يروي روايات الخيال العلمي. ادب العجائبي والسحرية يمكن ان يكونا عوالم هلامية تيسر للمتلقي مغادرة دنيا الواقع، لكن ادب الخيال العلمي متصل مباشرة بمادية الدنيا لأنه يستشرف تطورها وانحرافاتها وانجازاتها المستقبلية اعتقد ان ادب الخيال العلمي في معظمه يمثل رؤية جديدة للانسان والكون والمستقبل.
* هل هناك ادب خيال علمي عربي؟ وما علاقته بالمتلقي؟
ـ اذا ما طبقنا التعريف الذي سبق ان خضنا فيه في بداية هذا الحديث، فان اول من كتب في ادب الخيال العلمي العربي من المعاصرين يكون الاديب نهاد شريف، وله انتاج غزير في هذا النوع حيث كتب القصة والمسرحية والرواية. وهناك كتابات توفيق الحكيم ولكنها اقرب من الرواية او المسرحية الذهنية، فالزاد العلمي فيما لايتعدى ان يكون اشارة لنظرية اينشتاين حول الزمن وتفتقر الى النظرة العلمية العميقة وليس المجال هنا للحديث عن واقع كتابات الخيال العلمي في البلاد العربية، والقارئ الباحث عن مزيد المعرفة في هذا الشأن عليه ان يتصفح مجلة «فصول» المصرية عدد 71/2007 المخصص لهذا الموضوع، بل للاشارة انه يوجد كتاب في الخيال العربي في بعض البلدان العربية خاصة مصر وقد ذكرنا نهاد شريف وسوريا حيث طالب عمران نشر اكثر من خمسين عملا في هذا النوع، ومن المغرب عبد السلام البقالي والكويت طيبة احمد الابراهيمي، وموريتانيا موسى ولد ابنا وغيرهم ليس المجال لذكرهم جميعا. هناك ادباء عرب يكتبون في الخيال العلمي لكن الذي لا اعرفه جيدا، هل هناك قراء كثيرون يقبلون على هذا النوع في العالم العربي؟ لايمكنني الاجابة عن هذا السؤال لأنني لم اعثر على دراسة تشير اليه، كل ما يمكنني الحديث عنه هو تجربتي الخاصة في هذا الميدان. نشرت ثلاث روايات في الخيال العلمي، وظلت روايتي الاولى على رفوف دار النشر اكثر من سنتين، لكن حالما ظهرت في السوق لقيت رواجا محترما بالنسبة الى الروايات التي كانت تروج آنذاك حيث اضطر الناشر ان يسحب الطبعة الثانية (دون ان يعلن عنها لاسباب غامضة) اما النقاد المعروفون على الساحة الادبية فلم يتفطن لوجودها احد، وباستثناء ناقدين اثنين (محمد بن معمر و...) لم اقرأ نقدا يحتفي بالحدث، اذ ان صدور رواية في ادب الخيال العلمي باللغة العربية في بلادنا لايقع كل يوم، وربما تكون «غار الجن» الرواية الاولى التي تصدر في الخيال العلمي في تونس، فرواية الصادق الرزقي «القارة المفقودة» وهي يوتوبيا لايمكن اعتبارها خيالا علميا حسب ما وقع التعريف بهذا النوع في بداية الحديث، لم تصدر في حياة مؤلفها اذ تركها مخطوطا قام الدكتور الطاهر الرزقي بتحقيقها ونشرتها دارسحر سنة 1993 وللاشارة فهذه الرواية يمكن اعتبارها اول رواية تونسية، فصاحبها ولد سنة 1874 وتوفي سنة 1939. ثم صدرت الرواية الثانية ولم يتفطن النقاد اليها بتاتا. وكان نفس المصير للرواية الثالثة اذا كان النقد رافدا للادب فأين النقاد في بلادنا عندما يقع الحدث الادبي؟ ومن يطلع على وضع هذا الادب في البلاد الصناعية يلاحظ مدى الزخم المعرفي في هذا الميدان، اذ ان النشريات المتخصصة فيه تعد بالمئات. ودور النشر كثيرة وعدد الروايات لاتحصى... ادخل انترنات، واطلب «خيال علمي» وسوف تتعرف على حقيقة هذا النوع. وحتى لا اظلم احدا لابد ان اشير الى ان احد الطلبة في الجامعة التونسية يعد ماجستير في ادب الخيال العلمي العربي، وقد اخذ كموذج روايتي «جبل عليين». اما المتلقي اي القارئ، فقد لاحظت ان «غار الجن» مثلا لقيت اقبالا لدى شباب المعاهد واساتذتها، فقد برمجها بعض الاساتذة في حصص المطالعة وشجعهم بعض المتفقدين. وحضرت حصة ناقشني فيها التلاميذ واعجبت بالتفاعل الطيب الذي عبر عنه القراء الصغار. وهذا يدل على ان مستقبل ادب الخيال العلمي عند الشباب زاهر اذا عرفنا كيف نستغله لحثهم على التعرف على هذا النوع من الادب والاستفادة منه، فأدب الخيال العلمي يساعد الشاب على فتح افق المعرفة، والتطلع الىاكتشاف عوالم اخرى، ورؤية الكون بأبعاده المتشعبة، والنظر الى الدنيا بأكثر علمانية.
« مع الروائي التونسي الحبيب السالمي
حارس الأنقاض »
ألحت عليّ ابنتي الصغرى كي أرافقها إلى قرى البربر في جبال مطماطة. كانت تبحث في موضوع إبداع الطفل في مجال اللًّعِب والألعاب. ابنتي هذه تُدَرّس فنون الأشكال Design produit بمدرسة الفنون الجميلة. وكانت ترجو من زيارتها لتلك القرى أن تتأكد من بلورة الفكرة التي دفعتها لاختيار هذا الموضوع الصعب والطريف، إذ لم تجد أبحاثًا كثيرة في هذا المجال. وتتمثل أطروحتها في أنّ طفل المدن الحديثة، خلافا لطفل القرى النائية، يفتقر إلى الإبداع والاستنباط في لَعِبه وألعابه. التعليقات 16 على “الشعب الذي قاوم العولمة منذ ثلاثين قرنا”
شكرا لك عزيزي كمال العيادي على دعوتك لي للمشاركة في الكتابة على أعمدة دروب. وقد أثرت في نفسي دعوتك اللطيفة، وقررت أن أساهم معكم في إثراء الحوارات التي تقام على صفحة دروب. الهادي ثابت
التعليقات 14 على “لماذا الكتابة في الخيال العلمي ؟”
![]()
التاريخ: 04/08/2009 @ 13:10
| المحتوى
كتب الهادي ثابت
الاغتصاب القرنفل لا يعيش في الصحراء جبل عليين غار الجن قصص لو عاد حنبعل من هو الهادي ثابت | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||








الهادي ثابت
| طباعة










أعلى
3 أبريل 2007 في الساعة 1:26 م
الأستاذ الفاضل الهادي ثابت,
تابعت بمحبّة وغبطة هذه الرحلة الملهمة في عمق التاريخ ووفجاج الجغرافيا المتروكة أو المسكوت عنها. وأصدقك القول أنّ أكثر ما شدّني هوّ هذا الإسلوب السّردي الرائع الذي تقدّم به رؤيتك وموقفك الهادئ والثابت من قضيّة تعدّ من أسخن القضايا المعقّدة واكثرها إحراجا منذ أحقاب. ورغم أنّني أتّفق معك كلّ الإتفاق في الكثير من النقاط المطروحة, وخاصّة إستغرابك من هذا التوجّس المفتعل والحال أنّه فعلا مفتعل بكلّ المقاييس, والدليل أنك لا تكاد تجدّ متطرّفين في تقطيع الجسد المغاربي , إلا بين أؤلئك الذين ينطلقون من منطلقات عرقيّة ضيّقة ورؤى إقصائيّة أضيق من خرم إبرة, ومن الطرفين, عربا كانوا أم عربانا بربرا أم أمازيغ.
فجميل ورائع أن تتعاضد وتتقاطع الحضارات لتشكل فيسفساء مذهلة, تزيد الأرض غنى وأصالة. ولكن التعصّب لا يؤدي إلا إلى المرارة والقطيعة والعقم الإبداعي, كون الإبداع مجاله إلغاء الحدود مع الحفاظ على الخصوصية…وأعرف عشرات من المبدعين الحقيقين من المغرب ومن تونس ومن الجزائر, يتضايقون من كلّ شكل من أشكال الحدّة والتطرّف في طرح هذه المسألة…وفي المقابل, تصدمك بعض المواقف المتشدّدة إلى حدود مرضيّة مرعبة. وهنا تأتي أهميّة هذه الورقة, أنّها تطرح القضية من كوّة ابداعية وفكرية وحضاريّة راقية ومتحضّرة…ومشروعة, بحيث تثير السؤال, دون مبالغات مفتعلة.
كما لا يفوتني وأنا أعبّر لك عن سعادتي بالقراءة لك, أنّنا ننتظر بفارغ الصبر فصول من رواياتك في الخيال العلمي, ومنذ أعلنّا عن ذلك والأحبّة لا يكفّون عن السؤال, فلا تحرمنا ممّا أبدعت في مجال نادر حقّا.
كمال العيادي
www.kamal-ayadi.com
3 أبريل 2007 في الساعة 1:56 م
شكرا عزيزي كمال.
لم يكن وضع البربر يشغلني، ولاحظت عند زيارتي لهم أنّ هذا المشكل لا يوجد بتاتا لديهم. جبلوا على حماية لغتهم دون ضجيج ولا كثير نظريات، وهم في تونس مندمجزن في النسيج الاجتماعي والحضاري في بلادنا. لكن كإنسان أعي مدى قيمة اللغة أي لغة، أردت أن أنبه أن اللغة البربرية في تونس ربما تأت عليها العولمة كما أتت على مآت اللغات في إفريقيا ولذا يجب علينا صيانتها بفتح المجال لدراستها بالجامعة التونسية. لا أريد غير ذلك، وأظنني كنت واضحا في طرح القضية. إنسانية فقط، لغوية فقط. ولا أرغب أن يقع تأويل رغبتي.
شكرا عزيزي كمال على كل اللطف الذي ترعاني به.
الهادي ثابت
3 أبريل 2007 في الساعة 4:36 م
المبدع الاستاذ الهادي ثابت …
رحلة ممتعة أخذتنا معك فيها لنناقش مسألة من أحرج المسائل في جو خال من أي نية للجدل وهذا بحد ذاته عدوى فن السرد الذي يجري في حبر قلمك..
إن هذا مسألة حياة اللغة العربية التي نتأسف ليلا نهارا على وصولها إلى مستوى ينذر بالتراجع .. وإنني لأنتظر يوما تكون فيه اللغة - بعيدة عن التنظيرات والمجامع اللغوية - لغة حية ككائن حي ينمو ويكبر ويتحدث بأفكار اليوم بكل يسر وسهولة دون سرقة هنا وسرقة هناك ..
لك وافر الشكر التقدير ودم بخير
فاضل التركي
3 أبريل 2007 في الساعة 8:26 م
شكرا الأستاذ فاضل التريكي
ربما لم أكن واضحا بما فيه الكفاية، لم أقصد بتاتا التحدث عن اللغة العربية، إني تطرقت إلى اللغة البربرية، وهي لغة قديمة قدم الإنسان بشمال إفريقيا، ويتكلمها إلى الآن عدد كبير من سكان المغرب العربي. ولها لهجات مختلفة، وقد بدأ البعض بتدريسها في الجامعات. وكما قال صديقنا كمال العيادي بعضهم يتطرف فلا يعترف بأنها لغة، في الوقت الذي، وحسب مقاييس الألسنية الحديثة، هي لغة بكل ما في اللغة من مقومات.
أتوقف عند هذا الحد حتى لا أنعت بأشياء أنا بعيد عنها كل البعد.
الهادي ثابت
3 أبريل 2007 في الساعة 11:27 م
الاستاذ الهادي ثابت..
كان هدفي من المداخلة محاولة سحب تجربة اللغة الامازيغية على معضلة تمر بها اللغة العربية في العصر الراهن رغم اختلاف ظروف اللغتين وتشابههما من جهة كونهما كائنين وفارق الدرجة من ناحية الانضواء تحت ظرف العولمة ..
هل تعاني الامازيغية من الكلمات الدخيلة أم مازالت خالصة على ألسنة متحدثيها؟
تقبل وافر التقدير
فاضل التركي
4 أبريل 2007 في الساعة 2:42 ص
عزيزي الهادي:
جميل أن تحضر روح الروائي في جسد نصٍّ يُفكّر.
وجميل أن يتمّ طرحُ مسألة لغة الأمازيغ، كما فعلتَ، أي بعيدًا عن أيّ شوفينيّة أو إقليميّة أو خلفيّات إيديولوجيّة.
أنتَ تتحدّث عن جمال (وضرورة) المحافظة على شروط التنوّع والثراء. ومن شروط التنوّع اللغة التي تقولُ تاريخَ مجموعةٍ وثقافتَها وتجسّد خصوصيّتها، بعيدًا عن التقوقع والانغلاق.
وكما أوضحت بين سطور نصّك: المحافظة على اللغة لا تعني عدم تطوير تلك اللغة وتهجينها بما تمتصّه من روافد.
كما أنّ المحافظة على اللغة لا تلغي الحوار مع العالم، بل هي شرط من شروط هذا الحوار..
لذلك وقّعت دُول العالم (باستثناء الولايات المتّحدة الأمريكيّة وإسرائيل وأستراليا) على معاهدة التنوّع الثقافيّ.
من ثمّ لا أراك مختلفًا مع عزيزنا فاضل التركي، في أنّ ما قلتهُ عن لغة الأمازيغ، يصحّ على العربيّة أيضًا.
تحيّة من هنا إلى مطماطة.
4 أبريل 2007 في الساعة 3:35 ص
المبدع القدير هادي ثابت
جميل تسريد الرؤي وعرضها في سرد قصصي
جميل مناقشة القضايا المسكوت عنها
والجمل تقبل الآخر وتقبل ثقافته وتنوعها …………
استمتعت بأسلوبك الرائق
وفهمت منك مسألة طالما سألت عنها وقرأت ولكنني لممت بها من مقالتك بشكل جميل
لك محبتي
4 أبريل 2007 في الساعة 11:23 ص
العزيز فاضل التريكي
المعذرة أني تسرعت في إجابتك لأنّ الموضوع حساس جدا. أرى أنّنا بتعميم ظاهرة انقراض اللغات لن نكون موضوعيين. اللغة العربية تعاني من المشاكل الحضارية التي يتخبّط فيها متكلموها. أمّا اللغة الأمازيغية فهي تعاني من عدم الاعتراف بها كلغة مستقلّة عن العربية. الأمازيغية لغة “سامية” ولو إني لم أقبل هذه اللفظة، ولكني لم أقبل لفظة يريدها البعض وهي اللغة العربية، فكلاهما لغة مستقلة بذاتها ولو يتقاسمان الجذور القديمة للغة بدائية يصعب تحديدها. والمشكل الإبستمولوجي لا يهمني كثيرا. أرى الواقع: شعوب (لاتوجد إحصائيات لحصرها) تستعمل هذه اللغة منذ آلاف السنين(اختلف المؤرخون في تحديدها) وحافظوا عليها، وهي الآن كنز، ثروة بشرية. تصور أنّ هذه اللغة كانت متواجدة وبندية مع اللغة المصرية القديمة بما أنّ الأمازيغ كانت لهم علاقات اقتصادية وثقافية متينة مع المصريين القدامى! هذه اللغة مهددة بالانقراض لا نتيجة تعسف ما ولكن نتيجة الحياة العصرية ونزوح الريف على المدينة وانتشار وسائل الإعلام في كل بقعة من الأرض. أليس من واجبنا كبشر أن نحمي هذه اللغة ونحافظ على هذه الثروة؟
4 أبريل 2007 في الساعة 11:39 ص
العزيز آدم
إنّك خبير في توريط قارئك. وسأتحدّث إليك مباشرة ودون قفاز! أليس من شروط التنوع الثقافي أن نساعد على حماية لغة مهددة بالاندثار بإعانة متكلميها على لمّ شتاة تلك اللغة وتعليمها لمن يرغب؟ أليس من واجبنا كمجموعة وطنية أن نجعل من تلك الثروة المتوارثة عبر آلاف السنين مكسبا لكل المجموعة؟ لكل لغة عبقرية وفن وابداع، ماذا نعرف نحن المثقفون الواعون عن عبقرية وفنون وإبداعات الأمازيغ أخواننا وجيراننا وأصهارنا؟
وأسئلة أخرى أتركها للقائنا الأسبوعي.
ودمت عزيزا
4 أبريل 2007 في الساعة 11:54 ص
أستاذنا الفاضل الهادي ثابت..
لعلّك في نصّك الجامع للأسلوب السردي الممتع ، والعلمي المقنع ، قد لامستَ بعضا من نفسي ، ربما لاهتمامي بشؤون اللغويات ضمن دراستي. ولعلّ ما يستحق الإشادة حقا ، هو تلك الموضوعية الحكيمة التي تناولتَ بها موضوعك.
بينما قرأت مقالتك سيدي ، تداعت في خاطري أكثر من نقطة ألخصها بما يلي :
_ اللغة كهوية ، والتشبّث باللغة الأم لجماعة أو قوم ، قادرٌ على منحهم إمكانية الحفاظ على خصوصيتهم دون أن يعيق اندماجهم مع الآخرين ( ولعل هذا أهم ما نحتاجه جميعا اليوم وليس الأمازيغ فقط).
- دور الأم في ترسيخ اللغة الأصلية لأبنائها.. وهنا تذكرتُ إخواننا الشراكسة في بلادنا ( فلسطين 48) ، ولغتهم المحكية التي لا توجد منها أية مادة مكتوبة وليست لها رموز للكتابة (حروف) ، ولم يوثَّق بها أي تاريخ أو حضارة ما.. ورغم أنهم يتعلمون في المدارس باللغتين العربية والعبرية ، ويتقنونهما ربما أكثر أهلهما ، على أنهم ما زالوا متشبثين بلغتهم الشركسية ، ولا يتخاطبون بينهم إلا بها ، ما جعلها نقية من الكلمات الدخيلة ، بعكس العربية مثلا التي غلب عليها طابع الخلط والمزج حتى أن الطفل العربي عندنا غدا يتعلم من صغره كلمات عبرية ويحسبها جزءا لا يتجزأ من لغته.. فباتت لنا لغة هجينة من العربية والعبرية كما لإخواننا في بلاد أخرى مزيج من العربية والفرنسية ، أو العربية والإنجليزية..
ولنا أن نتصور الهوية الفكرية والثقافية والحضارية لمن يملك لغة هجينة غير صافية ، بأنه إنما تنقصه هوية خالصة أيضا دون شوائب..
أما النقطة التي أثارت إعجابي بحق ، فهي مطالبتك بتدريس الأمازيغية ضمن الجامعات التونسية ، وفي هذا أفهم أن اللغة حين تواجه اعترافا رسميا بها ، وتعامَل باحترام بل وتدرَّس في الجامعات، فإنها تحظى بأبسط حقوقها للبقاء..
أحييك بشدة أستاذ هادي.. ولا يفوتني أن أشكرك لاستمتاعي بصوتك الليلة الماضية عبر برنامج أخينا آدم.. وأذكّرك بأننا في انتظار أجزاء إحدى رواياتك في الخيال العلمي.. فلا تضنّ بها علينا..
لك أبهى تقديري.. وأسمى تحياتي.
4 أبريل 2007 في الساعة 11:58 ص
العزيزة هويدة صالح
أشكرك على لطفك.
إننا معشر العرب صرنا حساسين لأي ظاهرة يمكن أن نشتمّ من خلالها رائحة التفرقة والتفتت. صحيح أنّ المستعمر الفرنسي لعب على حبل اختلاف البربر عن العرب ليزرع التفرقة والتشرذم، لكنه لم ينجح. سكان بلاد المغرب العربي مزيج من شعبين البربر والعرب، يقول أكثر المؤرخين أنّ أصولهما واحدة: عربية/سامية. وقد امتزجت قبائل البربر بالقبائل العربية القادمة من شبه الجزيرة العربية، وخلف ذلكالامتزاج قبائل عربية بربرية تتكلم اللغة البربرية، وقبائل بربرية عربية تتكلم اللغة العربية، وهذا المزيج كان نتيجة صراعات على النفوذ وعلى الأرض، وقد أدى إلى النسيج الاجتماعي الذي نراه اليوم في كل بلدان المغرب العربي من ليبيا إلى موريطانيا. اللغة العربية كانت منذ انتشار الإسلام في هذه الربوع هي المهيمنة على الحياة السياسية والثقافية، لكن اللغة البربرية ظلت متواجدة يتكلم بها أهلها الذين ناضلوا من أجل المحافظة عليها إلى يومنا هذا.
هذا هو لب المشكلة، وتدخلي ينحصر في أني كمثقف وكإنسان أرغب في أن تصان لغة ربما ياتي عليها زحف العولمة قبل غيرها.
4 أبريل 2007 في الساعة 12:36 م
أستاذي الهادي ثابت
لك حظ من اسمك ، في أسلوبك دعة ووقار ، ونقاشك الرصين المتقبل للاختلاف يدعو للإعجاب ……..
أستاذي حين كنت في التربية والتعليم أدرس للصغار قصة عقبة بن نافع ، كنت أعجب لدور البربر في نشر الإسلام واتخاذه دينا ، فهم لهم الفضل الكبير هذا أولا ………..
ثانيا في زمن العولمة وتشييع الفن والأدب والحضارات حتي تتساوي أمة عمر حضارتها سعة آلاف عام بأمة عمر حضارتها بضع مئات ، علينا أن نتمسك بهوياتنا الصغيرة ، بثقافتنا ، بلغتنا ، حتي لا يضيع كل شيئ أمام هيمنة و سيطرة ما بعد الكولينالية ………..
ماذا يضير العروبيين أن يتمسك الأمازيغ بثقافتهم ولغتهم ماداموا لن ينسلخوا من جسد الأمة العربية ، ومادام فكرهم وتراثهم في خدمة الوطن العربي ……………..
وهل ننسي جهودهم الأدبية الجميلة حين قربوا للقارئ العربي الثقافية الفرانكوفينينة ………..؟
كلنا في مركب واحدة عرب وأمازيغ وسنة وشيعة ومسلمين ومسيحيين ، ولن يستفيد من فرقتنا وصراعنا سوي الكيان السرطاني المتربص بنا وهو إسرائيل ………..
في مصر حاولوا مرارا إيجاد مناطق للصراع
مصر فرعونية أم إسلامية ؟
فتح عربي أم غزو عربي
مسليمين أم مسيحيين
ولكن شعب مصر كما قال النبي الكريم في حديثه الشريف ” في رباط إلي يوم يبعثون ”
سيدي دمت مبدعا ومفكرا جميلا .
4 أبريل 2007 في الساعة 1:00 م
عزيزتي أنوار
استفدت من تدخلك حيث عرفت لأول مرة أنّ هناك في فلسطين العزيزية لغة ما زالت تعيش رغم كل التقلبات التاريخية التي أتت على المنطقة. إنّ الشعوب التي تحافظ على كيانها بحماية لغتها هي شعوب عبقرية لأنها تدرك القيمة الحقيقية للإنسان. الذين يمزجون لغة بلغة أجنبية ليسوا واعين بخطر العملية على كيانهم. لقد حرم القانون الفرنسي مزج اللغة الفرنسية بأي لغة أخرى، وعاقب ذلك القانون تلك العملية، فما بالنا نحن نشجعها في وسائل الإعلام وفي شعارات الفرجة وفي اللافتات الإشهارية؟ أليس هذا جرم يرتكب في حق اللغة؟ أصرنا متفتحين أكثر من الفرنسي؟ هل هو الجهل أم يد تعمل في الخفاء؟ على أهل القرار السياسي أن يحسموا وإلا حاسبهم التاريخ لأن الشعوب لم تعد لها إرادة.
بهذه المناسبة أحيي شعب 48 المناضل، وتصلني أخباره عبر مجلة عرب 48 الإلكترونية، وكم أشتاق لرؤية أهله.
4 أبريل 2007 في الساعة 3:27 م
الأستاذ الهادي…
أود أولا أن اسجل اعجابي بهذا المقال الجميل وبلمسات الصفاء والرصانة التي زينته.
ثانيا .. ارفع صوتي مع صوتك بشأن تدريس اللغة الامازيغية . كما اطالب الجامعات الليبية بأن تقوم بتدريس هذه اللغة التي يترنم بها جزء لا بأس به من سكان الجبل الغربي وواحات الجنوب الليبي.
دمت يا سيدي الكريم ودام ابداعك.
4 أبريل 2007 في الساعة 4:13 م
شكرا سيدي عطية الأوجلي
كنت أترقب تعليقا من الأخوة الليبين الذين نشاطرهم الحضارة واللهجة والإرث الإنساني المشترك منذ أن عمّر البشر هذه الربوع. مشاكلنا واحدة وثقافتنا واحدة منذ آلاف السنين. وربما لو يعي أهل القرار في بلدينا أن يكون مشروع تدريس اللغة الأمازيغية مشروعا مشتركا بين المؤسسات الجامعية بليبيا وبتونس.
حتى أن تتبلور الفكرة بعيدا عن كل المزايدات السياسية والأيديولوجية لك مني تحياتي.
الهادي ثابت
5 أبريل 2007 في الساعة 12:09 ص
استاذي الفاضل سي الهادي
امر ّ للتحية تحية المساء
و احتفظ بالنص في مفضلتي
ساعود اليه و لو بيني و بين نفسي
انه جميل جميل بسرده و اسئلته ….
تقديري و مودتي
حياة