العرض
الإتصال بنا
إعلام
للحصول على مستجدات هذا الموقع المرجو الإشتراك في الرسالة الإخبارية
الإشتراك
إلغاء الإشتراك
1 مشترك
بحث



ما نشر عن الهادي ثابت - ما نشر علي الأنترنات

ما نشر علي الأنترنات

 

الواشنطوني العربي صحيفة أسبوعية مستقلة تسعى لبناء جسر من التواصل بين العالم العربي ومواطني الولايات المتحدة من خلال تقديم أخبار وطرح قضايا غالبا ما لا يتم طرحها في الصحف الأميركية.الواشنطوني العربي منبر مفتوح للقراء والكتاب وكل المهتمين بالشأن العربي و المهجري.

علوم و اكتشافات
الهادي ثابت الهادي ثابت
الإنسان المتعايش لجوال دو رونيي

مقدمة المترجم

ترجمت لقراء العربية كتاب الإنسان المتعايش لجوال دو رونيي  رغبة مني في أثبات شيئين ما زال الجدل حولهما قائما عند الطبقة المثقّفة العربية وهما:

  • - قصور اللغة العربية في ميدان العلوم الحديثة.

اللغة العربية ليست قاصرة عن استيعاب اللغة العلمية ولا عن التأقلم مع المستحدثات العلمية المعاصرة. فرغم قدمها فهذه اللغة لها من المرونة ومن الثرى الهيكلي بحيث يسهل على المتعامل معها أن يطوعها لأي استعمال يريده. لغتنا لها ميزة، فقد ولد النص القرآني في أحشائها، وهو حاميها من التفكك، وهو زادها للتجدد. ربما لهذا السبب تستطيع لغتنا أن تصمد أمام الهون الحضاري الذي تعيشه أمّة العرب.

- قصور العرب كأمة عن اللحاق بركب الأمم التي أخذت تتهيأ لاقتحام الألفية الثالثة.

أمّة العرب المشتتة دويلات وشعوب لا يمكنها أن تنهض بأعباء الحداثة وما بعد الحداثة. ولذا يجب التفكير الجاد في جمع الجهود المختلفة في ميادين البحث العلمي حتى نواكب التطور السريع الذي تسير به الأمم التي وعت التقدّم الحاصل اليوم للحياة البشرية. إنّ الكرة الأرضية تضيق شيئا فشيئا بسكانها من البشر، ولم يعد مجال للحديث عن حضارات مختلفة في صراع، بل لقد أصبحت البشرية تسير نحو نمط حضاري موحد، وهو ما سيدعو إلى التفكير في مصير واحد لسكان الأرض.

هذا الكتاب يطرح هذه المسألة: المصير الواحد لسكان الكرة الأرضية، ولكنه يطرحها بطريقة علمية موضوعية دقيقة. والكاتب جوال دي روني هو عالم في البيولوجيا ولكنه على دراية واسعة بالعلوم الحديثة مثل المعلوماتية، وعلوم التشعّب، وعلم الاقتصاد، وعلم البيئة... ومن منطلق هذا الاطلاع الواسع قدّم في هذا الكتاب تصوّرا للمستقبل القريب للبشرية مرتبطا بتطور العلوم الحديثة. تنبأ الكاتب بانبثاق كائن ضخم ليس له ملامح لكن وجوده فعلي وعملي، ليس له مكان لكنه يتواجد في كل الأماكن، ليس له سلطة فعلية ومحددة بل سيتحول إلى المحرك الدافع لكل السلط. إنه العنكس أي الإنسان العنكبوت الذي يرمي بخيوطه أينما كانت حياة الإنسان، وهو يستمد وجوده من الإسنان، ويعمل على تمكين البشر من أكثر تقدم وأكثر موضوعية في تسيير حياتهم وحياة كل الكائنات المتواجدة على الأرض.

عندما التقيت الكاتب في مدينة العلوم بباريس سنة 1999، وكنت منغمسا في كتابة رواية في الخيال العلمي، أشار علي بكتابه "الإنسان التعايشي". قرأته، وقلت في نفسي: لو تتمكن النخب العربية من الاطلاع على هذا التفكير الجديد للابتعدت عن الثرثرة الغير مفيدة حول الأصول والأصولية. ومنذ ذلك الوقت بدأت فكرة ترجمة هذا الكتاب.

وعندما جهز الكتاب، صار من الواجب نشره. وكم هو صعب نشر الكتاب في بلاد العرب، خاصة إذا كان الكتاب علميا. تطلبت ترجمة الكتاب سنتين، لكن البحث عن نشره تطلب أضعاف ذلك. ولولا مساعدة الحكومة الفرنسية لما نشر هذا الكتاب. هذا حال العرب في هذا الزمن الذي تطوق فيه الإنسانية لتوحيد جهودها من أجل حياة أفضل على الأرض. ولن تكون هذه الحياة أفضل دون البحث العلمي، والتطور السريع للتكنولوجيا، والتفكير العميق في المصير المشترك لكل البشرية. إذا ما ظللنا مستهلكين سلبيين لا نساهم في بناء حضار العلم، فسنهمّش، وسنبقى نعيش كما عبّر عن ذلك كاتب هذا الكتاب في بالون زمني مختلف عن بالون البشرية الساعية وراء حياة أفضل.

لا يفوتني أن أنوّه بمساعدة الدكتور أحمد ذياب الذي حرص على مراجعة الترجمة، وهو الذي استنبط لفظة "العنكس" ترجمة للفظة "سيبنط" الفرنسية، كما استنبط كذلك لفظة "كُسيْر" مرادفة للفظة "فركتال" الفرنسية. أن تثرى اللغة العربية بلفظتين أخذ تداولهما يزداد في الدوائر العلمية العالمية لهو دليل على أنّ هناك من يريد للغة العرب أن تكون مواكبة لمسيرة العصر.

 مقدّمة المؤلف

التّاريخ والطّبيعة

عمى السّياسيّين أمام المستقبل مذهلا. عشر سنوات تظهر لهم نهاية الدّنيا. فالعالم كثير التّشعّب، وتطوّره غير متوقّّع. والمستقبل يختبئ تحت حجاب محتشم. خمس سنوات قبل العام 2000 وهل يجرؤ أحد على وصف البنى الممكنة لمجتمعاتنا التّكنولوجيّة في حدود العام 2030 (خلال جيل واحد) وعلاقاتها الممكنة مع المجتمعات الأقلّ تقدّما؟ فبالنّسبة للقرن القادم، ما عدى بعض الإستنتاجات الدّيمغرافيّة (10 مليار ساكن في غضون ثلاثين سنة) أو الإستنتاجات التّكنولوجيّة، كلّ سياق على حدة، فالمستقبل يظهر مسدودا. جدار منصوب أمامنا. فسنة ألفين، كثيرا ما نُظر إليها كأفق مستقبليّ أسطوريّ، أصبحت الآن مبتذلة وسنة 2100 لا تمثّل سوى القليل من الإهتمام في تسيير الشّؤون العاديّة. فالمستقبل صار يقبع داخل النّقاشات الشّخصيّة خلال الآجال الإنتخابيّة القادمة.

التّنبؤ مستحيل يقول المختصّون، بأنّ التّطوّرات فوضويّة ومتقلّّبة واحتماليّة ونزويّة وهي تخضع لاندفاعات فجئيّة تصحبها فترات ركود. فحدث عاديّ وقع في ظروف ملائمة، تضخّمه وسائل الإعلام، يمكن أن يبدّل مصير أمّة. فهو ما يعبّر عنه ب"تأثير الفراشة" الّذي عمّمه إدوارد لورنز، أحد واضعي نظريّة الخوى. وحسب تعبيره الشّهير، فتصفيق جناحي فراشة في سنغافورة يمكن أن ينجرّ عنه إعصار في الكارائيب بسبب تقلّب كتل الهواء في الجو.

ولذا فكلّ تنبّأ لا يمكنه أن يكون واقعيّا إذا ما تجاوز السّنتين أو الثّلاث سنوات، والأمثلة متعدّدة: من انهيار الإتّحاد السّوفياتيّ سابقا بعد سقوط جدار برلين إلى السّلم بين إسرائيل وفلسطين أو تأثيرات "السّيدا أو الإيدز" على الإقتصاد والسّياسة. كلّ هذه الأحداث لم تكن متوقّعة قبل خمس عشر سنة. وإن كانت هذه الأحداث تصنع التّاريخ، لكنّ كتابة التّاريخ بصفة موازية لمسايرة التطوّر لم يعد مقتصرا على رجال السّياسة والإقتصاد، ولا حتّى الصّحفييّن أو علماء الإجتماع. توجد قوانين طبيعيّة أكثر قوّة من الّتي تحكم مجتمعاتنا. قوانين تخضع لها تنظيمات الطّبيعة - وهي الّتي تتمثّل في الجزيئات والخلايا والحشرات وحتّى الإنسان. ومعرفة أدقّ لهذه القوانين، ومعها يصعب التّساهل، يمكن أن تنير لنا الطّريق.

هذه المعارف يمكن أن تبزغ قريبا. ويمكنها أن ترسي قواعد الوفاق بين التّصرف السّياسيّ والإقتصاديّ التّقليديّ للعالم وقيادة محكمة بإعانة لوحة قيادة تتولّد عن نظرة موحّدة لعلوم التّشعّب. لا ننسى أن علم التّوجيه (فنّ قيادة الآلات) و"حكومة" (فنّ التّصرّف في النّظم المتشعّبة) لهما نفس المرجع. في اليونانيّة: يعني الدّفّة أو الموجّه.

استعارة الصّيبيونت ( العنكس)[1]

بما أنّ التّاريخ والسّياسة لا يستطيعان إنارة المستقبل، ماذا يمكن أن تشير به معطيات الحياة؟ إنّها تشير أنّ انقلابات تُهيّأ. وأنّ الحياة، مثلا، ستتبرعم من جديد. في الحقيقة، لم تنقرض الحياة أبدا على الأرض. هي بالعكس في تفاقم: والإنفجار السكّاني يذكّرنا بحيويّتها. لكنّ هذه المرّة سينبثق شكل آخر من الحياة، ومن التّنظيمات الّتي لم يصل إليها بعد التّطور: إنّها حياة ضخمة في مستوى الكوكب قاطبة، وهي في تعايش مع الجنس البشريّ. هذه الحياة الهجينة، هي في الآن نفسه، بيولوجيّة وميكانيكيّة وإلكترونيّة وهي في طور الولادة أمام أعيننا. ونحن نكوّن خلاياها. بطريقة غير واعية بعد، نحن نساهم في اختراع استحالتها، في سيرانها، في وضع نظامها العصبيّ. نحن نسميّ كلّ ذلك: إقتصاد وأسواق وطرقات وشبكات إتّصال أو طرقات سيّارة إلكترونيّة ولكنّها هي في آخر الأمر أعضاء ونظم حياتيّة لتنظيم ضخم في صدد الظّهور. وسيقلب مستقبل البشريّة ويُكيّف نموّها في غضون الألفيّة القادمة.

ولادة هذا الجسم ومدلولاته بالنّسبة لحياتنا الحاضرة، وقراراتنا الشّخصيّة والجماعيّة في بناء المستقبل ستكوّن المحور المركزيّ لهذا الكتاب.

وكل شكل جديد للحياة له الحقّ في إسم. وأقترح لتسمية هذا الجسم الكوكبيّ: "العنكس". اسم استوحيته من فنّ قيادة الآلات و"بيولوجيا" علم الأحياء. وهو يمثّل كما سنرى، نموذجا افتراضيّا، استعارة نافعة لتصوّر بعض مراحل المادّة، والحياة، والمجتمعات البشريّة على أرضنا. حُدّد في مستقبل لا يهمّ معرفة زمانه بالتّحديد ( ربّما خلال النّصف الأوّل أو الثّاني للألفيّة الحاليّة)، هذا الجسم الضّخم يوجد الآن في حالة بدائيّة ويعيش في شموليّته. ولن يولد أبدا في مرحلة واحدة، ولن يكون أبدا كاملا. سأصفه لاحقا من خلال بعض النّوادر والقصص. 

إنّ اللّجوء إلى هذا المثال يعتبر شكلا من أشكال البحث المستقبليّ الّتي تظهر لي ضروريّة لبناء مجتمعات الغد. ومن مزاياها أنّها تمكّن من إنارة الحاضر الآنيّ وذلك بالسّعي المستقبليّ. لمّا نتخيّل أو بالأحرى لمّا نتصوّر العلاقات التّعايشيّة بين الإنسان والعنكس، يصبح ممكنا أن نختار ذلك الطّريق، أو تلك البنية، أو تلك المرحلة الوسط. بفضل هذا التّوجّه المتكرّر بين الحاضر والمستقبل انطلاقا من مثال -نقطة انطلاق ولا نقطة وصول- تأخذ الأحداث والوضعيّات والتّيارات والتّطوّرات أكثر بروزا وأكثر بعدا، وتترتّب، فيسهل أخذ القرارات. سوف تترك الصّفة الغير متوقّعة للعالم الّتي هي نتيجة مضاربات قديمة، مكانها، بتطبيقات منهج البحث المتكرّر بين الحاضر والمستقبل، إلى فرضيّات بنّاءة. التّرحال بين التّوقع والمراجعات والتّناسق يمكّن من إثبات الأحداث. وعوض تحاليل الوضعيّات المبعثرة منعكسة على مستقبل غير مؤكّد، فإنّها ستكوّن مجمل الأحداث الحاملة للمستقبل متضافرة نحو مثال مؤقّت يثري هذه النّظرة الجديدة المستقبليّة. وكما يذكّر به شعار الباحثين في شركة المعلوماتيّة الأمريكيّة كزيروكس، "أحسن طريقة  للتّنبؤ كيف يكون الغد هو أن نخترعه".

العلوم الحديثة للتّشعّب

حتّى يكون هذا ممكنا، علينا أن نوفّر آلات جديدة وفعّالة. فالتّحليل الموضوعيّ الّذي يقسّم التّشعّب إلى عناصر بسيطة لم يعد كافيا لفهم حيويّة الأنظمة وتطوّرها. لأنّها وإن كانت مؤهّلة لعزل العوامل المحدّدة في سير هذه الآليّة أو تلك، فإنّها سوف تخفق في فهم تمشيّ التّنظيم الذّاتيّ والإنتقاء الذّاتي. فطريقة النّظامية، المنبثقة عن علم التّحكّم ونظريّة النّظم الّتي نشأت ولقيت نجاحا باهرا في الخمسينيّات، أكملت المقاربات التّحليليّة التّقليديّة. فالنّظامية، وهي تركز على التّرابط بين العناصر المختلفة المكوّنة للنّظم، وإلى مستويات تنظيمها وحركيّتها وتفاعلاتها، تمكّن من وصف دقيق للتّشعّب، وخاصّة من التّأثير عليه بأكثر فاعليّة. التّحليليّة والنّظاميّة هما متكاملتان، وهو ما سنراه في الجزء الأوّل من هذا الكتاب.

لقد تمّت خلاصة في المستوى العالي بين هذه المقاربات المختلفة في غضون هذه السّنوات الأخيرة. هذه الخلاصة أنجزت عن طريق "علوم التّشعّب" وهي الّتي تضمّ ما سمّي ب"نظريّة الخوى" و"نظريّة التّنظيم الذّاتيّ". وهي الّتي تلقي نظرة جديدة على الأنظمة الفيزيائيّة والبيولوجيّة (الحيويّة) والإجتماعيّة والبيئيّة. إنّه تمشّ موحّد يكشف عن الثّوابت الكبرى للطّبيعة الّتي تحدّثت عنها آنفا، ويظهر شموليّتها. فنظريّة النّظامية الّتي يختصّ بها "المجهر الضّخم"، هي تمشّ وصفيّ وتعليميّ يمكّن من فهم جيّد للتّشعّب. والمقاربة الجديدة تقترح وسائل للتّأثير على التّشعّب. فهذه النّظريّة تحاول شرح كيف يتحقّّـق الإنتقال بين تنظيم في مستوى معيّن والتّنظيم الّذي تكوّن عناصر بنائه. فالطّبيعة تتصرّف من خلال تجمّعات تراتبّية للبُنى والوظائف في نطاق تركيبات من الصّنف العالي معادة التّأليف بينها: خلايا داخل أجسام، أجسام داخل مجموعة السّكّان ومجموعة سكّان داخل نظام بيئيّ...  كما سأبيّنه في آخر الفصل الأوّل، فإنّه بالإمكان اقتراح نظريّة موحّدة للتّنظيم الذّاتيّ وحركيّة النّظم المعقّّدة. وستصبح ضروريّة لمساعدتنا على إنارة المستقبل وفي نفس الوقت، تمكنّنا من الإختيار الأمثل، في تناسق مع قوانين الطّبيعة والبنى والوظائف الضّروريّة لحياة الإنسان التّعايشيّ وحريّة تحرّكه. هذه النّظريّة الموحّدة ستكون الخطّ الموجّه لهذا الكتاب.

الأداة الّتي سأستعملها في مسيرتي هذه ستكون الحاسوب. ولن يكون فقط الحاسوب "الحفّاز"، المسرّع لتشغيل مجتمعاتنا، إنّما سيكون كذلك الحاسوب كآلة للملاحظة المباشرة للتّشعّب. الحاسوب-المجهر الضّخم. ومن خلال مقدرته على المحاكاة، سيُمكّن كلّ التّجارب المعلوماتيّة الّتي لن تكون ممكنة إلاّ في المخبر. عندما استُعمل الحاسوب من طرف روّاد علوم التّشعّب، مكّن مثلا، من فهم جيّد لأصل الحياة وللتّطوّر البيولوجيّ وللخلق من خلال الفوضى والتّشغيل المضبوط لنظام بيئيّ أو إقتصاديّ. هذه الوظيفة الجديدة للمعلوماتية سنصفتها بدقّة في الفصل الأوّل المخصّص لأدوات دراسة التّشعّب وللتّجارب المحاكاة الّتي تمكّن من ضبط القواعد الأساسيّة للتّنظيم الذّاتيّ.

سينبثق شكل جديد لفهم الطّبيعة من خلال استعمال هذه الأدوات: الفهم من خلال التّآلف عوضا عن التّحليل. فالبحث عن الجزيئات الأساسيّة، الّذي من المفروض أن يشرح بطريقة سببيّة (علّية) التّطوّر اللاّحق للمادّة نحو مراحل متزايدة في التّعقيد، لا يمكّننا من فهم دقيق للعالم، ولا يقرّبنا منه أكثر. فالتّفسير ذا الدّلالة لا يمكن أن ندركه بالتّحليل. وخلافا لذلك، عندما نفهم عن طريق التّأليف - وبمساعدة الحاسوب - كيف تتألّّف العناصر في مجموعات أكثر تعقيدا، أو كيف ينشأ التّطوّر الشّامل من خلال تلك التّفاعلات، فإنّنا نقترب أكثر من الطّبيعة. ونشعر أنّنا جزء منها. ونفهم جيّدا مكانتنا ودورنا داخل الكون، فنعي أكثر أفعالنا ونؤسّس لها ونشرّعها. فظهور قطاعات جديدة وفي بعض الأحيان مقلقة، مثل الحياة الإصطناعيّة أو الواقع الإفتراضيّ يدخل في نطاق صيغة جديدة لعلوم التّشعّب.

تعايش كوكبيّ

أحد أكبر التّحديّات للألفيّة الثّالثة سيكون بالنّسبة للإنسانيّة البناء المُتروّ والواعيّ لشريكها التّعايشيّ. لقد شُرع بعد في إنجاز هذه المرحلة القادمة من التّطوّر البيولوجيّ والتّقنيّ-الإجتماعيّ. ففي نطاق التّطوّر القبل بيولوجيّ (الحيويّ) الّذي قاد إلى انبثاق الخلايا الأولى، تمّ اختيار البنى والوظائف الأساسيّة للكائن الحيّ: دنا غشاء، مراكز الطّاقة، أيض قاعديّ وذلك انطلاقا من تفاعل الإختمار والتّمثيل الضّوئيّ والتّنفّس. اليوم، نحن نُنشئ من الدّاخل حياة جديدة هجينة. نحن نساهم كممثّلين في مسرحيّة لم تنشر بعد: الأصول الجديدة للحياة. خمائر للخليّة الأولى ذات أبعاد تشمل الكوكب. إنّنا نعمل دون تخطيط مسبّق، ولا نوايا واقعيّة، وبطريقة عشوائيّة، على بناء معلم سيجتازنا. علينا أن نعي أنّ وظائف الطّاقة والإقتصاد والبيئة والتّعليم في مجتمعاتنا هي في النّهاية وظائف أساسيّة لتنظيم ضخم حيّ، هذا الوعي ليس حافز فحسب، بل هو دافع لتحمّل مسؤوليّتنا. وهو بالتّالي يضع العمل الفرديّ في قلب تطوّر العالم.

مع هذه النّظرة، فالسّؤال القديم حول طبيعة "إنسان المستقبل" تأخذ منحى آخر. لن يكون الإنسان الخارق، ولا الرّبو الحيويّ، ولا الحاسوب الخارق ولا الآلة الضّخمة، رجل الغد سيكون بكلّ بساطة الإنسان التّعايشيّ، في شراكة متينة -لو وصل إلى إنشائه- مع النّظام المجتمعيّ الّذي سيعبّر عنه من خلال حواسّه ودماغه وعضلاته. تنظيم ضخم يتغذّى ويعيش من حياة الخليّة، عصب الأرض الّذي نحن سنصبحه.

بعد ظهور الإنسان العاقل الّذي بحث من خلال ذكائه أن يهيمن على الأجناس الحيّة، والرّجل الصّانع الّذي تحكّم في الأدوات والآلات، أو الرجل المقتصد، مستهلك وقنّاص، ها هو زمان الإنسان التّعايشيّ قد أتى، وسيعيش في تناسق مع كائن أكبر منه وهو الّذي ساهم في إنتاجه، لينتجه بدوره.

في كتابي المجهر الضّخم الّذي صدر في سنة 1975 حاولت أن أحدّد هذا الشّكل الجديد للحياة الجماعيّة والّذي أصفه اليوم:

"الأرض تأوي جنين جسد وتخطيط فكر. هذا الجسد يظلّ حيّا بفضل الوظائف الكبرى البيئيّة والإقتصاديّة الّتي تكوّن بيئة الكوكب. فالضّمير الجماعيّ ينبثق من الإتّصال المتزامن لأدمغة البشر. (...) وفي ما وراء التّصرّف في الطّبيعة، سيكون بعث الطّبيعة التّعايشيّة من خلال العلاقات بين المجتمع الإنسانيّ وبيئة الكوكب، وكل منهما يستعمل الآخر لمصلحتهما المشتركة." وخلاصة الحياة الضّخمة للكوكب وظروف ظهور الإنسان المتعايش سيكونان موضوع الفصل الأوّل. سأركّز بالخصوص في هذا الفصل على ثلاث مراحل أساسيّة لهذه الولادة: التّنظيم الذّاتيّ والتّطوّر المتزامن والتّعايش.

الجزء الثّاني من الكتاب سيتناول العلاقات بين دماغ الإنسان والحواسيب ودماغ الكوكب. وسأصف الحياة اليوميّة للحياة الموجّهة الّتي ستفضي إلى ضمير جماعيّ ناتج عن تكافل الأدمغة والشّبكات في فضاءات جديدة باطنيّة من الإتّصالات.

عالم للإختراع

أنا واع بالمخاطر الّتي تُحدق بمثل هذه المقاربة. هل يمكن أن نتصوّر تنظيما ضخما واحدا على نطاق الكوكب، الحياة الموجّهة، ويكون النّقطة الّتي تلتقي فيها كل أشكال المجتمعات الإنسانيّة؟ وكلّ تنوّع من العالم في هذا المثال المبسّط. وزيادة على ذلك فدماغ الحياة الموجّهة للكوكب ( أدمغة إنسانيّة وحواسيب وشبكات إتّصال مترابطة ) وأيضا للمحافظة الذّاتيّة ( إقتصاد وعوامل الطّاقة العالميّة ) تنجم عن التّطوّر الجماعيّ للمجتمعات المتقدّمة تكنولوجيّا وصناعيّا. كيف ستكون مساهمة بقيّة العالم في بناء مثل هذا التّنظيم؟ كيف ستترجم حركات الرّفض المشروعة لمثل هذه التّقنية العالية؟ فالسلفيّة والأيديولوجيّات تعمل بعمق داخل المجتمعات البشريّة. وكما سنرى، فهناك مجموعات تعيش في "فقاقيع زمنيّة" مختلفة "الكثافة"، ولو أنّها تعيش معنا من خلال السّاعة في الزّمن العالميّ.

لكي نجيب على كل هذه الأسئلة، سيتطرّق الفصل الثّالث إلى السّياسات والصّناعات وطرق التّعليم وقيم المستقبل مستعينا بمختلف الطيّارات والطّرق المتداخلة. غير أنّه لا بد أن نحدّد مجدّدا أنّ استعارة عبارة "الحياة الموجّهة" هي مثال احتماليّ ومبسّط موجه إلى استفزاز الوعي: الوعي بالمرحلة القادمة -وأعتبرها ممكنة - لتطوّر الجنس البشريّ في تطوّر موحّد مع الآلات وتنظيماتها.

وقائمة المخاطر الّتي تترصّد مشروعي طويلة. فإزالة الحدود بين الطّبيعيّ والإصطناعيّ يعرّض إلى خطر الإختزاليّة أو "إمبرياليّة" العالِم في سعيه لاجتياح العلوم الإنسانيّة. ولن أبحث على اختزال اكتشافات الإنسان في انبثاقات عفويّة متأتّية من ميكانزمات (آليّات) التّنظيم الذاتيّ، ولا إلى استقراء قوانين الفيزياء أو البيولوجيا على النّظم الإجتماعيّة. هدفي يتمثّل في توضيح القواعد البسيطة الّتي تطبّق على تطوّر مجموع المادّة المنظّمة واستخلاص الدّروس الّتي تفيد حركتنا في المجتمع.

وسترتفع هكذا، وحالما نأخذ في وصف حياة تنظيم في مستوى من التّعقيد أكبر من تعقيدات المجتمعات البشريّة لتشملها في علاقة تعايشيّة، أصوات الإنتقادات الخاصّة بالحيويّة والحياتيّة والحلوليّة. لم تكن لي ميولات تشبيهيّة ولا حياتيّة. سأقتصر فقط في تحليلي بالاعتماد على المبادئ العامّة النّظاميّة المنبثقة من علوم التّشعّب. ولا أتصوّر أنّ أيّ أيديولوجيا ستحكم هذا المثال الموحّد لمرحلة قادمة للتّطوّر البشريّ. الجماعيّة والنّظرة الكليانيّة ستكونان غائبتان عن منهجيّتي. ستتدخّل وحدها طبيعة التّنظيمات في مستويات تراتبيّة تشمل مجموعات العناصر في نظم متشعّبة، ابتداء بالذرّة وصولا إلى المجتمعات الإنسانيّة. وأخيرا، ولو أنيّ وإن أكّدت على خطوات التّقدّم التّكنولوجيّ الهائل الّذي سمح بانبثاق الوظائف الحياتيّة للحياة الموجّهة، فلا يمكنني أن أنسى تأثيرات الأديان والفروقات الإقتصاديّة والإجتماعيّة والخوف والعنف والمرض والمجاعة والحرب. كما سأوضّحه في الجزء الأخير للكتاب، فإنّ نظرتنا للعالم مشوّهة بما تعكسه وسائل الإعلام عن تطوّره، حيث لا نرى منه سوى الكوارث والمآسي الإجتماعيّة والفضائح والحروب والفتن والأعمال الإرهابيّة والمخدّرات والأوبئة وهو ما يثبط العزائم أحيانا، ويفتر الهمم في تحمّل المسؤوليّة في غالب الأحيان. يظهر لي أنّه علينا أن نفهم أكثر العالم لنتمكّن من تغيير الأشياء. وهذه النّظرة الجديدة لدورنا في الطّبيعة والّتي أتت بها المقاربة الشّموليّة ستجعلنا، على ما أعتقد، قادرين على ذلك.

إنّي أدعوكم إلى نظرة متفائلة لعالم سنبتكره. وسأبقى في المدار العلميّ والتّكنولوجيّ الّذي هو ميدانيّ، واع بأهميّة الإضافة للتّمشّي السّياسيّ والإقتصاديّ والرّوحانيّ في تطوّر المجتمعات. إنّ ّمبادئ علم التّوجيه وحكم البشر كتلتان متكاملتان. ولن أنظر هنا إلاّ لوجه واحد في نطاق تحمّلنا لمسؤوليّتنا الفرديّة والجماعيّة: تلك الّتي تنجرّ عن الرّقيّ العلميّ والتّكنولوجيّ. هذه المحاولة لن تكون أطروحة ولا هي مذهب ولا هي أخلاقيّة بل هي عرض لنظرة على تطوّرنا، وهي دعوة لاكتشاف مسالك جديدة لبناء عالم الغد.

الكتاب الكُسَْير

كلمة أخيرة عن بنية الكتاب. إنّه يقترح شكلا جديدا من الإتصال. سأسمّيه الإتّصال الكسيريّ هذه العبارة أتى بها الرّياضيّ الفرنسيّ بنوا مندلبرو في سنة 1969، وهي تطبّق على كلّ شكل أو بنية تبقى متطابقة لذاتها كيفما كان المستوى الّذي نلاحظه منه. فمثلا غصن صغير لشجرة يشبه غصنا كبيرا، وهو بالتّالي يشبه الشّجرة في جملتها؛ وورقة السّرخس تشبه النّبتة كلّها؛ وبلّورة ثلج تشبه أصغر البنى البلّوريّة الّتي تكوّنها؛ كذلك قطعة من ساحل صخريّ تشبه أصغر صخرة من صخوره. فالبنية الكسيريّة (ذات الصّورة المصغّرة) تبقى رقيقة في جملة مستويات الملاحظة. في هذا الكتاب، سأضع حيّز التّطبيق شكلا من أشكال الإتّصال الكسيري (ذا الصّورة المصغّرة): فعوضا عن خطاب خطّيّ ومقطعيّ متّبع تسلسل الحجج في ترتيب اعتباطيّ للعرض، سأبحث على عرض أفكاري من خلال سلسلة تراكيب منتظمة في شكل كسيريّ. من كل كلمة يمكن أن تتولّد صفحة، ومن كلّ صفحة، كتاب... في الوقت الّذي يتّجه المنهج الخطيّ التّقليديّ وهو يبحث عن تجنّب التّكرار، فأنا لا أخشاها. هذا الموضوع سيقع إعادته فيما بعد، سيتبلور، ويوضّح في سياق آخر. فأشكال الإتّصال الكسيريّ لهذا الكتاب متداخلة. جملة واحدة يمكن أن تحتوي مجمل أطروحتي، والإطنابات أحد الفصول يمكن أن تثري اقتراحا كنت قد ناقشته في سياق آخر.

يمكننا أن نولّد أشكالا كسيريّة متناهية التّعقيد من خلال قواعد رياضيّة بسيطة ومتكرّرة. التّشعّب ينبثق من التّبسيط المجزّأ. إنّها من أكبر قوانين الطّبيعة. فليكن هذا الكتاب بذرة من التّشعّب البسيط.

 

[1] كلمة استوحاها الدكتور أحمد ذياب وهي تحتوي على لفظتي عنكبوت وإنسان


سرد شفاف يجمع بين التاريخ والسياسة:
 
تعددت الأشكال والاغتصاب واحد هويدا صالح
بعد تجربته الممتدة في مجال أدب الخيال العلمي، أصدر الكاتب التونسي الهادي ثابت تجربة مغايرة لتجربته الأولي، و هي رواية الاغتصاب .
تعمد الرواية إلي تصوير المشهد السياسي والأيدلوجي في تونس في فترة الستينيات مع رصد للتحولات السيسيولوجية والسيسيوثقافية التي حدثت في المجتمع من خلال إجابته عن عدة أسئلة تتعلق بملامح الهوية التي ما زالت مثارا للجدل.
أجاد الكاتب نسج سرد شفاف يأخذ من التاريخ بحظ ومن السياسة بحظ، وأفلح في تشكيل صورة عن نفسه ومجتمعه وتاريخه وقيمه، فالسرد هو الوسيلة التي يستعين بها الجميع دون استثناء في التعبير عن أنفسهم وعن غيرهم.
طرح عدة قضايا يمكن اعتبارها بنت اللحظة الراهنة وتابوهات مازلنا نتحسس طريقنا ونحن نقترب منها.
منذ الصفحة الأولي يضعنا الكاتب في قلب الحدث، فها هي مجموعة من الصغار يلعبون لعبة شعبية في زقاق بحي البرج بتونس وهي لعبة الكجٌة ، وفتي يكبرهم سنا يمارس عليهم القهر، وإذا بالصغار يتمردون علي استلابه لهم، يتحولون إلي متمردين يقتلون من يغصبهم ويقهرهم، وضعنا الكاتب في قلب العنف والقهر الذي ساد المجتمع، وبعد هذا الحدث الذي لم يمر عارضا يشيع الغضب والخوف في المكان، وتمارس السلطة دورها في قهر هذا الحي الفقير الذي انتهز شبابه فرصة دفن القتيل ليتظاهروا سلميا وينددوا بالفقر والاستلاب لهذا المجتمع البروليتاري، ويظهر دور اليسار الذي سيطر علي فكر الناس ومشاعرهم. كما طرح الكاتب قضايا أخري مثل دور المثقف الذي تراجع، وعلاقته بالسلطة، فنجد برهان ذلك المثقف اليساري الذي كان يقود المجتمع، و يقوم بعملية تثوير الجماهير، يناوئ السلطة، ويرفض هيمنة الفكر الأصولي علي الناس، إلا أن هذا المثقف الذي أقام من نفسه صوتا للجماهير حينما دخل السجن وتعرض للتعذيب، ينقلب دوره، ويكفر بمبادئه، بل يتحول لبوق من أبواق السلطة.
كذلك طرح الكاتب قضية المرأة، التي تعاني من قهر مزدوج ، قهر السلطة والمجتمع لها، وقهر الرجل، فشخصية وردة التي تشير إلي وضعية المرأة العربية والتحيز السلبي ضدها رسمها الكاتب بمهارة فائقة، فهي طالبة الجامعة، تسعي في مسعي جاد إلي أن يكون لها دورا في حركية النضال فيه، تساند برهان والعاتي، إلا أنها تتعرض للاغتصاب هي الأخري علي يد ابن خالتها وابن طبقتها الأرستقراطية، ويتخلي عنها برهان أستاذها الذي عشقته وتوحدت مع فكره، صنعها الكاتب لتكون معادلا موضوعيا للرجل المغتصب . هي والعاتي تمٌ اغتصابهما، وكلاهما أخفي ذله ومهانته، وكأن الكاتب يؤكد لنا أن القهر واحد والاغتصاب واحد للمجتمع التونسي كله نسائه ورجاله.
كذلك قدم لنا عددا كبيرا ومتشعبا من الشخوص التي تتقاطع وتتوازي لتمثل المشهد السيسولوجي والثقافي للمجتمع، شخوص سحقتهم الهزائم و الانكسارات بشتي صورها علي اختلاف توجهاتهم. بطل الرواية، هو العاتي الذي يسجن في أحداث الشغب التي تلت موت الفتي في زقاق حي البرج، يتعرض للتعذيب، حتي يشي بأفراد التنظيم، إلا أنه يرفض أن يبوح بأي معلومات عن التنظيم اليساري، فيتعرض للاغتصاب علي يد معذبيه،وبعد فشل رحلته عبر التنظيم اليساري وتعرضه للاغتصاب الفكري والجسدي يذهب إلي باريس وهناك يقابل واحدا من الأصوليين الذي يتحايل عليه بشتي الوسائل النفسية حتي يستميله إلي فكر مناهض ومغاير تماما لقناعاته السابقة، ثم يعرض عليه أن يسافر إلي باكستان في رحلة تبدو مبهمة، لكن العاتي أمام الضغط النفسي والخيانات التي تعرض لها يقبل بالسفر، ويميل إلي تبني الفكر الأصولي. يتحول من أقصي اليسار إلي أقصي اليمين، و يتمٌ غسل مخه.
الاغتصاب أخذ في الرواية تجليات وتمظهرات عديدة :اغتصاب الجسد الذي تعرض له العاتي، وتعرضت له أيضا وردة تلك الفتاة التي انخرطت في التنظيم، واغتصاب الروح الذي يتعرض له المجتمع كله.. واغتصاب الفكر الذي تعرض له المثقف... يقول بقي ينظر إليهم كالمعتوه، فاقدا كل إحساس بالوجود. كانت رغبته في الفناء أكبر من رغبته في البقاء، فتركهم يقتلونه قبل أن يكون هو قاتل نفسه. لما شعر المحقق أنه لن يستخرج منه أي كلمة ترك سبيله، ولم يعد لاستنطاقه، لكن الجلاد تمادي في اغتصابه كامل الفترة التي قضاها في الاعتقال .
يتشكل البعد الدلالي للرواية من الشخصيات المتمايزة والأحداث في فضاء محدد، ثم الحدث المتنامي بشكل أفقي، كذلك تفكيك القناعات التي رسخت في عقول المجتمعات العربية طويلا، فتحول المجتمع من اليسار إلي اليمين، من الفكر اليساري العلماني إلي الفكر الأصولي.
شكل الكاتب قضاياه سرديا باللغة الشفافة التي تصل إلي حد المباشرة، ولكن تلك اللغة الشفافة المباشرة يقصدها الكاتب ويعمد إليها، فهو معني بزلزلة القناعات الراسخة طويلا. ينجح الكاتب في التعبير عن انتمائه الثقافي، ومعه العديد من الشخصيات المختلفة في ثقافتها وانتمائها وهويتها. يصنع لها الكاتب فضاء سرديا محكما، ويجهز لها صراعات متعددة المستويات.
ينجح الهادي ثابت من خلال سرده الشفاف المملوء بالتحليل والاستنطاق والوصف، في رصد تفاصيل المكان بلغة بصرية مشهدية، أما الزمن في الرواية فقد نمي نموا متصاعدا منذ لحظة الحدث الأول، وهو مشهد قتل الفتي، وحتي المشهد الأخير وهو سفر العاتي إلي باكستان، وكأن الرواية جاءت بين قوسين زمنيين مفتوحين علي نهاية تفتح أفق التوقع لدي القارئ.


الكتاب: الاغتصاب
المؤلف: الهادي ثابت
الناشر: شمس للنشر والتوزيع


 
الاغتصاب...
رواية تونسيّة طبعت في القاهرة بعد حظر دام 20 عاماً
القاهرة - سيد رزق

طبعت مؤسسة «شمس للنشر والإعلام» رواية «الاغتصاب» للأديب التونسي الهادي ثابت بعدما منعت أكثر من عشرين عاماً بسبب جرأتها في تصوير المشهد السياسي والأيديولوجي في تونس خلال فترة الستينات ورصد التحولات السوسيولوجية والسوسيوثقافية في المجتمع، ما جعل الناشرين يتهيبون نشرها.

أخذ الاغتصاب في الرواية تجليات كثيرة منها: اغتصاب الجسد الذي تتعرض له شخصيات الرواية من بينها العاتي ووردة الفتاة التي انخرطت في تنظيم سري، فضلا عن اغتصاب الروح الذي يتعرض له المجتمع كله واغتصاب الفكر الذي يتعرض له المثقف.

قالت الناقدة المصرية هويدا صالح في قراءتها لـ«الاغتصاب»: «حين تصبح الأيدولوجيا السياسية محركا للإبداع، ينحى الكاتب إلى قراءة التاريخ، فتصبح الرواية مرآة تعكس المشهد الحضاري، يعنى الكاتب فيها بالأساس الثقافي الحضاري في تجلياته الاجتماعية والدينية.»

خيال

بعد تجربته في مجال أدب الخيال العلمي نال الهادي ثابت عن روايته «القرنفل لا يعيش في الصحراء» جائزة «كومار» الذهبية عام 2004.

في روايته الجديدة يرصد الكاتب التحولات السوسيولوجية والسوسيوثقافية التي حدثت في المجتمع من خلال إجابته عن أسئلة تتعلق بملامح الهوية التي ما زالت تثير الجدل.

مزقت الرواية ستار التأويلات الجاهزة التي يفرضها المجتمع وهو الستار الذي يَحُول دون استكشاف مجالات التجربة الإنسانيّة التي تُهملها وسائل التأويل الأخرى التي تقدم المعرفة سواء كانت فلسفيّة أو دينيّة أو سيكولوجيّة وغيرها. لا تصبح هذه التأويلات متاحة للمتلقي ومقنعة له إلا من خلال الروائي الذي أصبح مطالَباً بأن يرى العالم بكل دقائقه بعمق وبرؤية تختلف عما يراه غيره وبأن يقول ما لم يقله غيره.

رسم الكاتب من خلال هذا السرد، الذي يأخذ خطوطاً من التاريخ ومن السياسة، صورة عن نفسه ومجتمعه وتاريخه وقيمه وموقعه، من هنا يعتبر السرد الوسيلة التي يستعين بها الجميع من دون استثناء في التعبير عن أنفسهم وعن غيرهم.

ناقش الكاتب قضايا وتابوهات ما زلنا نناقشها راهناً. يقدم لنا عدداً كبيراً ومتشعباً من الأشخاص الذين يتقاطعون ويتوازون في تمثيل المشهد السوسيولوجي والثقافي للمجتمع، سحقتهم الهزائم والانكسارات بشتى صورها على اختلاف توجهاتهم.

موت الفتى

بطل الرواية الذي يمثل الشعب التونسي هو ذلك الشاب العاتي الذي يسجن في أحداث الشغب التي تلت موت الفتى في زقاق حي البرج ويتعرض للتعذيب بشتى أنواعه حتى يشي بأفراد التنظيم، إلا أنه يرفض البوح بأية معلومات عن التنظيم اليساري الشيوعي. على الرغم من إيمانه الشديد بقيمه ومبادئه إلا أنه يتحول عنها في النهاية نتيجة الهزائم المتكررة والاغتصاب الجسدي والفكري الذي تعرض له.

بعد فشل مهمته عبر التنظيم اليساري يسافر إلى باريس وهناك يقابل أحد الأصوليين الذي يتحايل عليه بكل الوسائل النفسية لإستمالته إلى فكر مناهض لقناعاته السابقة، ثم يعرض عليه السفر إلى باكستان في رحلة تبدو مبهمة، فيقبل ويميل إلى تبني الفكر الأصولي ويتحول من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين ويتمّ غسل دماغه ويجنَّد من قبل الراديكاليين الأصوليين ويسافر إلى باكستان.

لغة بصرية

 

 

 

 

 

 ينجح الهادي ثابت من خلال سرده الشفاف الغني بالتحليل والاستنطاق والوصف، في تفكيك الثوابت الراسخة وزلزلتها من خلال تركيب صورة خاصة للشخصيات التي تساعده في بناء العالم التخييلي للنص. كذلك ينجح في رصد تفاصيل المكان بلغة بصرية موفقة.

نما الخط الزمني في الرواية نمواً متصاعداً منذ لحظة الحدث الأول (قتل الفتى) وحتى المشهد الأخير (سفر العاتي إلى باكستان)، وكأن الرواية جاءت بين قوسين زمنيين مفتوحين على نهاية تفتح أفق التوقع لدى القارئ.

أجاد الكاتب استخدام السرد عبر الراوي العليم القادر على الغوص داخل الشخصيات ووصف نزاعاتها وآلامها وأحلامها، كذلك ساعدته اللغة الشفافة على إيصال المعنى في ما يشبه الطلقة الموجهة إلى هدف محدد هو كشف المسكوت عنه في الماضي التونسي والعربي. 

 الحرّية الخميس 29 ماي 2008

حوار مع الروائي الهادي ثابت ـ1ـ

 

 

حوار مع الروائى التونسى الهادى ثابت:
الكاتب العربى يحلم ثم يصطدم بواقعه المرير
 
 

تونس ـ محسن .ع

لعلّ معاقرته الطويلة للتدريس وتعامله المفتوح المستمر مع عقول الناشئة بالاضافة الى عشقه القديم للحلم وانحيازه اللاّمشروط للمعرفة والسلام أورثته التطلّع نحو المستقبل الإنسانى عبر استشراف آفاق العلم والتقنية وكأنه استبطن فى أعماله العبارة التى اعتمدتها اليونسكو واتخذت منها شعارا يختزل فلسفة عملها إذا كانت الحروب تولد فى عقول البشر ففى عقولهم يجب أن تُبنى حصون السلام .
تتابعت أعماله فى أدب الخيال العلمى غار الجن 1999 ، جبل عليّين 2001 ، لو عاد حنبعل 2004 . كما أصدر رواية واقعية تحصلت على جائزة كومار الذهبى 2004 تحت عنوان: القرنفل لا يعيش فى الصحراء 2003 . وقد كان لنا معه هذا الحوار:

* عرف عنك اهتمامك بأدب الخيال العلمي.. لو قدمّته للقرّاء فى كلمات؟

-العبارة /التسمية مكوّنة من كلمتين: الخيال والعلم.. أدب الخيال العلمى يأخذ المعلومة العلمية ويطوّرها نحو استشراف المستقبل بهدف تحقيق متعة الخيال ومتعة استشراف الآتى فى بعده الايجابى أو السلبي، فهو إذن يشبع فضول الإنسان لاختراق الغيب والعبور الى المستقبل فى بعده الخيرى أو الكارثي، والكوارث الطبيعية الناتجة عن تلوّث الجوّ والبحار ستؤدّى حتما إلى كوارث أكبر فأكبر يمكن أن تغيّر التوازنات الحاليّة وتؤدّى بالتالى إلى القضاء على هذا الكائن الهشّ: الانسان.. أمّا أسلحة الدمار الشامل فيمكن أن تقضى على الحياة بكلّ مكوّناتها ومظاهرها وتفقد الأرض والبحار والهواء ويصبح عندها كوكب الأرض خاليا من جميع مكوّنات الحياة "الأوكسجين والماء..".
* لماذا اخترت الكتابة فى هذا الحقل؟
- لأنّى أعتبر نفسى مواطنا فى هذه القرية الأرضيّة "لا أعترف بالحدود الجغرافيّة أو الثقافية أو العرقيّة" وقد حصل لديّ يقين بأنّ غالبيّة سكان هذه القرية لم تحصل لديه بعد هذه القناعة ومن ثمّة بدأت مغامرتى مع الخيال العلمى كوسيلة لتصوّر مستقبل إنسانى يكون فيه كل سكّان القريّة الأرضيّة فى تعايش يسمح لهم بالعمل على تطوير العلاقات والارتقاء بتعامل البشر مع المحيط البيئي.. كاتب الخيال العلمى شبيه بقائد سفينة يحدّد اتجاهها ومراحل عبورها من مرفأ إلى آخر ويطرح دائما تساؤلا: كيف يمكن الوصول إلى الإنسان المتعايش؟
العلم سيمكن الانسان من الخروج من مأزقه الحالى المتمثّل فى نهاية مرحلة اقتصاد البقاء وصولا إلى اقتصاد المتعة عندما تتوفّر جميع الحاجيات بغير تدخّل الإنسان وبطريقة تلقائيّة كما هو حال الطبيعة ويتحوّل اقتصاد البقاء الذى انبنى على النّدرة والعمل اليدوى إلى الوفرة وانقراض العمل اليدوى مع بقاء العمل الفكرى وهنا تبدأ مرحلة اقتصاد المتعة ومعها يكتشف الإنسان ذاته وفكره والكون الذى يعيش فيه فيسعى إلى اختراق الحدود.. كلّ الحدود.. ويستضاعف ذكاؤه ليبدع أكثر فأكثر وهذا كلّه مشروط بأمر حيوى غاية فى الخطورة: توقف الصراعات المتعدّدة اقتصاديّة كانت أو ايديولوجيّة أو ثقافية لارساء الكائن الأرضى الذى لا يعترف بالحدود وهى ليست فكرة جديدة على اعتبار أن الذين نظّروا لكفرة الأمم المتحدة كانوا يحلمون بتنظيم كونى يقضى على كل الصراعات وفى هذه الحالة تتحوّل حياة الإنسان إلى إبداع أو رخصة إبداع..
* لو حدّثتنا عن الطريقة التى حوّلت بها هذه الأحلام إلى كتابة روائيّة؟
-تخيّلت مجتمعا جديدا تطوّرت فيه العلاقات الإنسانية من خلال الاكتشافات العلميّة إلى مجتمع متناسق فى علاقات أفراده ومؤسساته بحيث تمّ القضاء على كل الأمراض والعلّل التى تنخر العلاقات وتفسدها والتى هى سائدة فى المجتمعات الحالية.. وقدّمت دعوة للقاريء لزيارة وتدشين هذا المجتمع الراقى الذى تخلّص من كل رواسب اقتصاد البقاء "الاقتصاد الجنسى بعبارة فرويد" وحاولت من خلال السرّد أن أصيب عصفورين بحجر واحد: نقد المجتمع الحالى والدعوة إلى مجتمع أكثر تناسقا وأكثر تعايشا يحكمه العقل الذى هو الأساس..
* الفكرة المحرّكة فى رواية غار الجن ؟
-التقاء حضارتين مختلفتين الأولى أرضية وهى الحضارة الحالية السائدة على الأرض بكل تفرّعاتها الثقافية المختلفة والثانية آتية من الفضاء وبالتحديد من قانيماد أحد أقمار المشترى حيث تخيّلت أنّه يوجد هناك نسخة راقية من إنسان الأرض الذى استطاع أن يتقدم بفضل تطوّر علمه وعقله إلى درجة عالية من التحكم فى ذاته ومصيره، وأن يبنى حضارة تستند إلى العلم والعقل تمكن بفضلها من السمو بنفسه الى السعادة المادية والعقلية.
كل الرواية تتمحور حول هذا الالتقاء بين الحضارتين. فبفضل التمعن فى التناقضات البيّنة بين إنسان قانيماد السعيد بعلمه وعقله وإنسان الأرض الذى لم يبرح بعد حيوانيته بالمعنى البيولوجى للكلمة تتوصّل شخصيّتا الرواية إلى مرحلة من التطور مكّنتهما من التأقلم مع أناس الفضاء وحضارتهم الراقية. ويكتشف إنسان الأرض أنه قادر على الرقى إذا ما وعى مكنون ذاته، وتخلى عن كل الشوائب التى تقعده عن تخطى الحواجز التى وضعها تاريخه الطويل وهو يصارع ظروفه المعيشية.
ومن خلال تمارين المسارّة "Initiation" التى خضع لها داخل المحطة القانيمادية الموجودة فى قاع أحد جبال مطماطة بالجنوب التونسى يصل إنسان الأرض أو بالأحرى الشخصيتان الأرضتان اللتان وقعتا صدفة داخل تلك المحطة الى اكتشاف مكنون ذواتهما وبالتالى إلى الرقى عبر التخلى التدريجى عن نوازع الحيوانية التى كانت تكبلهما والاندماج فى نمط العيش الجديد، ثم التأهب للالتحاق بقانيماد للعيش هناك.
والرواية كقص تعتمد الخيال العلمى وتطفح بتصورات لإنجازات علمية ربما سيوفرها علم الإنسان الأرضى فى المستقبل، مثل الحواسيب المتطورة القادرة على كل الأعمال الفكرية التى يعجز عليها إنسان الأرض الحالى مثل المراقبة الشاملة لكل ما يحصل على الأرض، والتواصل المستمر بكل المحطات العلمية المتواجدة على جل كواكب النظام الشمسى وذلك عبر الأقمار الاصطناعية المتطورة التى تحوم حول تلك الكواكب باستمرار. وبمساعدة الروبوات المتطورة مختلفة الأحجام والمهام تخلص إنسان قانيماد من أعباء كثيرة وكبيرة تركها لتلك المخلوقات الاصطناعية الذكية لكى تقوم بها بكل دقة وإتقان.
ويكتشف قاريء غاز الجن عالما آخر فى حوار مستمرّ مع عالمنا الأرضي. وتحرص الرواية على تقديم هذا العالم بكل دقائقه من خلال السرد لحكاية الشخصيتين الأرضيتين فى علاقاتهما الصعبة مع أشخاص يفوقونهما علما وتطوّرا عقليا.
* لو حدثتنا عن روايتك جبل علّيين ؟
-فى الواقع رواية جبل علّيين هى حلقة ثانية من رواية غار الجن فعندما أتمّت الشخصيتان مرحلة المسارّة وتأقلمتا مع الحياة القانيمادية رحلتا صحبة بعض العلماء القانيماديين إلى قانيماد.
يمكن أن نعتبر رواية جبل علّيين من نوع روايات الأسفار وهو نوع جديد من الروايات يحكى خلالها الرّاوى سفره عبر البحر أو الصحراء أو أماكن عجيبة وغريبة أو تجربة شخصية تدور رحاها أثناء الرحلة.
هذه الرحلة تدور أحداثها فى الفضاء الكوني، وبالتدقيق فى الفضاء الذى يفصل الأرض عن قانيماد أى ما يقارب المليار الكيلو متر. وتحكى الرواية من خلال إحدى الشخصيات الأرضية فى رواية غار الجن كل تفاصيل تلك الرحلة الطويلة والشاقة. لا تنطوى الرحلة على أحداث بل تزخر بالانطباعات عن الوجود الإنسانى فى الفضاء حيث ينعدم الوزن، ويعم الفراغ ويتوارى نور الشمس لينتشر الظلام، وينقرض الزمان مع توقف تعاقب الليل والنهار. ولمّا تفقد الأجسام كتلتها داخل الفراغ يستعيد العقل كل صفائه فيأخذ ينبش فى ماهية الإنسان والكون والزمان والخلق وغيرها من المواضيع التى استحوذت على العقل البشري.
والرحلة الفضائية تتخللها استراحة على كوكب المريخ حيث تكون للشخصية المحورية فى الرواية المرحلة مغامرات واستكشافات وخاصة التعرف على جغرافية الكوكب الأحمر بجباله وسهوله وأوديته ومناخه. وجبل علّيين هو أحد جبال المرّيخ العاتية إذ يرتفع فى السماء إلى ما يزيد عن 24 ألف متر.
رواية جبل علّيين هى رحلة إلى أعماق الكون أو بالأحرى أعماق فضاء النظام الشمسى الذى لا يمثل سوى نطفة من الكون. كما أنها اكتشاف للعالم الخيالى الذى بدأت تتضح معالمه فى رواية غار الجن وككل رواية فى الخيال العلمي، فهى تزخر بالمادة العلمية كمعمار المركبة الفضائية، وكيفية صناعة الروبوات حيث توضح الرواية كيف توصل إنسان قانيماد إلى الصناعة الآلية عبر الاختزال والتكاثر الخلوى وهو ما توصلت إليه الطبيعية على الأرض منذ مليارات السنين، وتلك التقنية المتطورة والتى سيعسى إنسان الأرض إلى تحقيقها، مكنت إنسان قانيماد من الانتقال من اقتصاد البقاء الذى مازال يعانى منه إنسان الأرض الى اقتصاد المتعةالذى تمكّن منه إنسان قانيماد. كما نجد تصورات علمية أخرى تحاول الرواية شرحها والتأكيد عليها من خلال السرد.
* ماذا عن لو عاد حنبعل ؟
-رواية لو عاد حنبعل هى أيضا من روايات الخيال العلمي، لكنها تجنح أكثر إلى الروايات التاريخية حيث أن محورها هو حنبعل القائد القرطاجى العظيم.
أجواء هذه الرواية ليست بعيدة عن أجواء رواية غار الجن . فقد جمع بينهما المكان والزمان : البلاد التونسية وزماننا الحاضر. وإن تغيرت الشخصيات فإنها مازالت تنتمى إلى نفس الفئة : أناس الفضاء وبالتحديد القانيماديون، والشخصية التونسية عفوية مع إضافة شخصية حنبعل. وإشكالية هذه الرواية هى نفس الإشكالية التى تطرحها غار الجن : تخلّف الحضارة البشرية الحالية رغم تقدّمها العلمى الذى مازالت تكبّله عقلية اقتصاد البقاء التى ربما تؤدى بالبشرية الى كارثة عظيمة تأتى على الأخضر واليابس وتفرغ الأرض من كل مكونات الحياة.
لم تطرح الرواية شخصية حنبعل كقائد عسكرى بهر التاريخ بإنجازاته العسكرية الخالدة، بل نظرت إليه من زاوية الشخصية المستشرفة للمستقبل، ولم تحاول الرواية تهويل تاريخ حنبعل أو إعادة كتابته من خلال الخيال بل حافظت على التاريخ الذى سرده المؤرخون القدامى والمحدثون.
لقد أكد المؤرخون المعاصرون أن حرب حنبعل على روما والتى دامت أكثر من 16 سنة لم تكن مغامرة طائشة أدت بانقراض حضارة من أرقى الحضارات التى أنتجها المتوسط، بل كانت نظرة استشرافية لمستقبل البشرية فى تلك الفترة من تاريخها. كان حنبعل من أوائل القادة العسكريين والسياسيين الذين يعتمد المعلومات لاستجلاء المستقبل. وقد توصل من خلال المعلومات التى استقاها عن خصم قرطاج اللدود أن نزوع روما الى بناء قوة عسكرية هائلة سيؤدى بها إلى الهيمنة الإمبريالية على شعوب المتوسط. ومن خلال تلك القناعة قام بحربه على روما بعد أن استنفر جيرانها ضدها من خلال اتصالات مباشرة وحملات ديبلوماسية نشيطة أدّت إلى الاقتناع بأفكار حنبعل وبالتالى الى التحالف معه أو البقاء على الحياد.
ارسل هذا الخبر الى صديق بالبريد الالكتروني
نسخة للطباعة
ارسل برأيك الى كاتب المقال
____________________________________________________________________________

 

أدب الخيال العلمي لايقتصر على الرواية، إنه يمسّ كلّ ميادين الابداع الأدبي

 

حاوره: فتحي الصيفي

 

الروائي التونسي الهادي ثابت هادئ في ملامحه. ثابت في اختياراته الابداعية: الرواية واسع الاطلاع المعرفي، منطلقا، دوما من تحليل الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي وتنزيله ابداعيا، وسيلته في ذلك روايتا الخيال العلمي والواقعية. مؤمن بالعلم ايمان العجائز بالخرافة. لايرى للعرب من مستقبل باهر وانساني الا من خلال الديمقراطية والعلم. يعترف للسلطة التونسية بتسامحها فهي لم تضايقه حتى عندما يعلو صوته ناقدا لبعض المواقف والاوضاع، له من الخيال ما سمح له بأن يحلق به في الفضاء، وله من الصبر الايوبي ما مكنه لا من ترجمة مصطلحات علمية دقيقة فحسب بل وتطويعها سرديا في مشروعه الروائي: الخيال العلمي

 

نشر الروائي الهادي ثابت الروايات التالية:

 

ـ غار الجن (رواية في الخيال العلمي)دار سيراس للنشر 1999

ـ جبل عليين (في الخيال العلمي) دار سيراس للنشر 2001

ـ القرنفل لايعيش في الصحراء (في الواقعية) 2004 تحصلت على الجائزة الاولى للرواية «كومار» 2004

ـ لو عاد حنبعل (في الخيال العلمي) المؤلف، تونس 2005

ـ الاغتصاب (في الواقعية) شمس النشر والتوزيع القاهرة 2008

بمناسبة استضافته في نادي «اضافات» بحمام الانف مؤخرا وتزامن ذلك مع صدور روايته «الاغتصاب» كان لنا معه الحوار التالي:

 

*   ما رواية الخيال العلمي؟ وماذا تردون على الذين يرون فيها توهيما لايختلف عن الاساطير، فكليهما يحاول ان يخرج القارئ من لحظته الراهنة؟

 

ـ في البداية لايقتصر ادب الخيال العلمي على الرواية، انه يمس كل ميادين الابداع الادبي، هنالك الشعر والمسرح والقصة وطبعا الرواية. وهذا النوع من الادب الذي اصبح في هذه السنوات الاخيرة يكتسح الساحة الادبية في البلاد المصنعة ظهر، والحقل يقال، في منتصف القرن التاسع عشر مع جول فارن وجورج ويلز، اي في فرنسا وانقلترا قطبي المجتمعات البرجوازية والروايات التي ظهرت قبل هذه الحقبة لايمكن ان نضعها في خانة رواية الخيال العلمي لانها لم تكن تعتمد، بكل بساطة طرحا علميا مستوحى من الاكتشافات او النظريات العلمية. هذا التحديد بالنسبة لي ولغالبية المنظرين في تاريخ ادب الخيال العلمي هما انه يمكننا من ضبط الحدود بين اصناف اخرى من التخيل تستكشف عوالم بعيدة عن الواقع المعيش الراهن.

 

 

*  أعتقد أن أدب الخيال العلمي يمثل رؤية جديدة للانسان والكون والمستقبل

*  رواية «القارة المفقودة» للصادق الرزقي (1874ـ1939) يمكن اعتبارها اول رواية تونسية

* كانت قرطاج أول جمهورية عرفتها البشرية

 

 

بقي ان نشير الى ان التعريفات الممنوحة لهذا النوع متعددة ومتناقضة احيانا فبعضهم يدخل في خانة ادب الخيال العلمي بعض اليوطوبيات مثل جمهورية افلاطون، او حي ابن يقظان، او روايات الانقليزي مور وغيرها من اليوطوبيات التي حاولت تخيل عوالم يكون فيها الانسان اسعد مما هو عليه. كما ان الادب العجائبي fantastique ليس ادب الخيال العلمي لانه لايستند الى النظريات او الاكتشافات العلمية وكذلك الادب السحري *e mervei**eux مثل حكايات «الف ليلة وليلة» او بعض الروايات لادباء امريكا اللاتنية لايمكن تصنيفها كأدب خيال علمي.

اذا ما استبعدنا هذه النماذج من التخيل، توصلنا الى تعريف ادب الخيال العلمي على انه الادب الذي يعتمد الظواهر العلمية سواء الواقعية او الخيالية ، لان التمشي العلمي يسمح بتخيل الحلول التي من شأنها الوصول الى تخطي الصعوبات العلمية الراهنة في المستقبل بالاعتماد على الخيال والمعلومة العلمية. ولكي اعطي للقارئ الكريم صورة توضح هذا التعريف اخذ مثلا مشكلة الطاقة التي ارهقت البشرية في الوقت الحاضر للعلماء تصورات كثيرة لحل هذه المشكلة، ولكن هذه التصورات لايمكن تطبيقها لانها مازالت نظرية ومخبرية ولم تصل طور التصنيع، من خلال التصورات المستقبلية المتعددة يأتي كاتب الخيال العلمي ويسوغ سرده واضعا في التطبيق الافتراضي تلك التصورات العلمية، ومن هنا نشأت رواية الخيال العلمي. واعتقد ان كثيرا من المسؤولين في الدول الرأسمالية والتي لها مخابر تستشرف المستقبل اعتمدوا على كتّاب الخيال العلمي لمساعدتهم على تنمية الخيال في ذلك الاتجاه

صحيح ان ادب الخيال العلمي يخرج المتلقي من لحظته الراهنة، ويسافر به الى المستقبل الذي لايكون دائما مشرقا او الى الماضي السحيق، لكنه يحاول في الغالب شرح اسباب تلك التحولات واقناع المتلقي بامكانية ذلك الواقع الخيالي الذي انشأه الكاتب فالمجتمعات الحديثة تجد في ادب الخيال العلمي متنفسا للضغط الذي يسلطه التطور السريع في جل ميادين الحياة. لأن هذا الادب بانشائه عوالم يسوسها العلم، يرسخ في ذهن المتلقي القناعة بأن الانسان اخذ يتحكم في مصيره، وبدأ يسير في طريق جديدة اخذت تظهر معالمها وابعادها.

 

كان الانسان منغلقا على نفسه قبل ان يتمكن من الخروج الى الفضاء الرحب للكون. ويلوك مقولات تهرأت لانها لم تواكب تطور العقل البشري. ويتصور نفسه سرة الدنيا ومن اجله خلقت. ها هو اليوم يغادر الكهوف التي بناها عقله القاصر ويكتشف انها لايساوي شيئا امام عظمة هذا الكون، ذرة صغيرة من ذراته، لكنها ذرة عاقلة تحاول فهم القوانين المتشعبة التي تحكم هذه الفوضى الهائلة من هيجان المادة أليست هذه الصورة للدنيا حرية بأن تستلهم خيال الكاتب؟

 

كانت البرجوازية الطامحة الى السيطرة على العالم في بداية القرن التاسع عشر في حاجة الى ادب يضع طموحاتها في الهيمنة واستكشاف الخيرات، والى روافد ثقافية ترسخ فكرها التواق الى دفع عجلة الزمن نحو مزيد من المعرفة والاستكشاف وبالتالي الى مزيد من الخيرات والربح، هكذا كانت ايديولوجيا البرجوازية عندما اخذ جول فارن يروي روايات الخيال العلمي.

ادب العجائبي والسحرية يمكن ان يكونا عوالم هلامية تيسر للمتلقي مغادرة دنيا الواقع، لكن ادب الخيال العلمي متصل مباشرة بمادية الدنيا لأنه يستشرف تطورها وانحرافاتها وانجازاتها المستقبلية اعتقد ان ادب الخيال العلمي في معظمه يمثل رؤية جديدة للانسان والكون والمستقبل.

 

* هل هناك ادب خيال علمي عربي؟ وما علاقته بالمتلقي؟

 

ـ اذا ما طبقنا التعريف الذي سبق ان خضنا فيه في بداية هذا الحديث، فان اول من كتب في ادب الخيال العلمي العربي من المعاصرين يكون الاديب نهاد شريف، وله انتاج غزير في هذا النوع حيث كتب القصة والمسرحية والرواية. وهناك كتابات توفيق الحكيم ولكنها اقرب من الرواية او المسرحية الذهنية، فالزاد العلمي فيما لايتعدى ان يكون اشارة لنظرية اينشتاين حول الزمن وتفتقر الى النظرة العلمية العميقة وليس المجال هنا للحديث عن واقع كتابات الخيال العلمي في البلاد العربية، والقارئ الباحث عن مزيد المعرفة في هذا الشأن عليه ان يتصفح مجلة «فصول» المصرية عدد 71/2007 المخصص لهذا الموضوع، بل للاشارة انه يوجد كتاب في الخيال العربي في بعض البلدان العربية خاصة مصر وقد ذكرنا نهاد شريف وسوريا حيث طالب عمران نشر اكثر من خمسين عملا في هذا النوع، ومن المغرب عبد السلام البقالي والكويت طيبة احمد الابراهيمي، وموريتانيا موسى ولد ابنا وغيرهم ليس المجال لذكرهم جميعا. هناك ادباء عرب يكتبون في الخيال العلمي لكن الذي لا اعرفه جيدا، هل هناك قراء كثيرون يقبلون على هذا النوع في العالم العربي؟ لايمكنني الاجابة عن هذا السؤال لأنني لم اعثر على دراسة تشير اليه، كل ما يمكنني الحديث عنه هو تجربتي الخاصة في هذا الميدان.

نشرت ثلاث روايات في الخيال العلمي، وظلت روايتي الاولى على رفوف دار النشر اكثر من سنتين، لكن حالما ظهرت في السوق لقيت رواجا محترما بالنسبة الى الروايات التي كانت تروج آنذاك حيث اضطر الناشر ان يسحب الطبعة الثانية (دون ان يعلن عنها لاسباب غامضة) اما النقاد المعروفون على الساحة الادبية فلم يتفطن لوجودها احد، وباستثناء ناقدين اثنين (محمد بن معمر و...) لم اقرأ نقدا يحتفي بالحدث، اذ ان صدور رواية في ادب الخيال العلمي باللغة العربية في بلادنا لايقع كل يوم، وربما تكون «غار الجن» الرواية الاولى التي تصدر في الخيال العلمي في تونس، فرواية الصادق الرزقي «القارة المفقودة» وهي يوتوبيا لايمكن اعتبارها خيالا علميا حسب ما وقع التعريف بهذا النوع في بداية الحديث، لم تصدر في حياة مؤلفها اذ تركها مخطوطا قام الدكتور الطاهر الرزقي بتحقيقها ونشرتها دارسحر سنة 1993 وللاشارة فهذه الرواية يمكن اعتبارها اول رواية تونسية، فصاحبها ولد سنة 1874 وتوفي سنة 1939.

ثم صدرت الرواية الثانية ولم يتفطن النقاد اليها بتاتا. وكان نفس المصير للرواية الثالثة اذا كان النقد رافدا للادب فأين النقاد في بلادنا عندما يقع الحدث الادبي؟ ومن يطلع على وضع هذا الادب في البلاد الصناعية يلاحظ مدى الزخم المعرفي في هذا الميدان، اذ ان النشريات المتخصصة فيه تعد بالمئات. ودور النشر كثيرة وعدد الروايات لاتحصى... ادخل انترنات، واطلب «خيال علمي» وسوف تتعرف على حقيقة هذا النوع. وحتى لا اظلم احدا لابد ان اشير الى ان احد الطلبة في الجامعة التونسية يعد ماجستير في ادب الخيال العلمي العربي، وقد اخذ كموذج روايتي «جبل عليين».

اما المتلقي اي القارئ، فقد لاحظت ان «غار الجن» مثلا لقيت اقبالا لدى شباب المعاهد واساتذتها، فقد برمجها بعض الاساتذة في حصص المطالعة وشجعهم بعض المتفقدين. وحضرت حصة ناقشني فيها التلاميذ واعجبت بالتفاعل الطيب الذي عبر عنه القراء الصغار. وهذا يدل على ان مستقبل ادب الخيال العلمي عند الشباب زاهر اذا عرفنا كيف نستغله لحثهم على التعرف على هذا النوع من الادب والاستفادة منه، فأدب الخيال العلمي يساعد الشاب على فتح افق المعرفة، والتطلع الىاكتشاف عوالم اخرى، ورؤية الكون بأبعاده المتشعبة، والنظر الى الدنيا بأكثر علمانية.


 

 
« مع الروائي التونسي الحبيب السالمي
حارس الأنقاض »

الهادي ثابت

الشعب الذي قاوم العولمة منذ ثلاثين قرنا

إمدادات هذا الكاتب  الهادي ثابت 03 أبريل 2007

ألحت عليّ ابنتي الصغرى كي أرافقها إلى قرى البربر في جبال مطماطة. كانت تبحث في موضوع إبداع الطفل في مجال اللًّعِب والألعاب. ابنتي هذه تُدَرّس فنون الأشكال Design produit بمدرسة الفنون الجميلة. وكانت ترجو من زيارتها لتلك القرى أن تتأكد من بلورة الفكرة التي دفعتها لاختيار هذا الموضوع الصعب والطريف، إذ لم تجد أبحاثًا كثيرة في هذا المجال. وتتمثل أطروحتها في أنّ طفل المدن الحديثة، خلافا لطفل القرى النائية، يفتقر إلى الإبداع والاستنباط في لَعِبه وألعابه.
حللنا بتلك الجبال الجميلة، وكانت في أبهى حلتها بعد أن هطلت عليها أمطار الربيع وازدانت ببعض الحشائش، غطّت اصفرارها الأبدي. قصدنا إحدى القرى، وكم كانت خيبتنا كبيرة عندما وجدنا أنّ جل سكانها هجروها، لكن البلدة ظلّت شامخة، تحطّ بيوتها المتراصة على صخور الجبل الأملس، مكدّسة بعضها على بعض. كان لي هناك صديق عاكف على قمّة الجبل، جاعلا من بيته القديم متحفا للسياح، وقد جمع فيه أشياء كثيرة تذكّر بتاريخ القرية، وتشهد على مدى رقيّ سكانها القدامى. أدوات من الموادّ الطبيعيّة كانوا يصنعونها بأيدهم، ويستعملونها في حياتهم اليومية قبل أن تزحف عليهم الحضارة العصرية بأدوات وآلات لم يراع صنّاعها لا اختلافات المناخ ولا أصول الحضارات. أدوات صناعيّة من البلاستيك تفتقر إلى أبسط قواعد الذوق الحضاري السليم.
كان صاحبي شابا في الثلاثين من عمره، لكنه يمتلك معرفة وفهما وممارسة تفوق سنه. عندما شرحنا له الموضوع، تنهد وقال:
- لا يوجد أطفال في قريتنا، رحلوا مع أهلهم إلى المدن.
- ومن يقطن القرية؟
- بعض العجائز والشيوخ الذين ظلّوا متشبثين بالأرض إلى يوم رحيلهم عن الدنيا.
كانت القرية تشبه الحصن، لا يمكن للزائر الغريب التنقل داخلها، فأزقتها تلتوي على بعضها البعض، تصب أحيانا في منحدر خطير، وأحيانا أخرى تؤدي إلى أزقة مسدودة، أو أبواب عريضة مصنوعة من خشب النخيل مهترئة. وقد شرح لي صديقي كيف أن كل بيوت القرية يؤدي بعضها إلى بعض من خلال دهاليز محفورة بين البيوت تكون مداخلها سرية لا يعرفها إلاّ بعض شيوخ القرية، وتلك الدهاليز تؤدي إلى نفق طويل يبتعد عن القرية بضعَ كيلومترات. وعندما سألته:
- لماذا كل هذا العناء؟
- لأن سكانها كانوا من الأمازيغ.
- تعني البربر؟
- هذه الكلمة دخيلة علينا، نحن شعب الأمازيغ أي الشعب السيد.
- وما دخل الأمازيغ في هذه الهندسة الغريبة؟
- ما أن تضعف حضارة حتى تبتلعها حضارة أخرى. تلك سنّة الحضارات منذ النشأة. شعب الأمازيغ كان عرضة منذ بداية التاريخ إلى زحف الحضارات الغازية، ولكنه رفض أن يُبتلع.
أعدت سؤالي مازحا:
- ولماذا كل هذا العناء؟
- لأنكّ لن تُبْتَلع إذا ظللتَ تمتلك ما يميزك عن غيرك.
شعبنا عريق، وعراقته في لغته التي تحدّت كل الحضارات العاتية: فينيقية، لاتينية، وندالية، بيزنطية، عربية، فرنسية. لقد أخذ الشعب الأمازيغي من كل هذه الحضارات دون أن تبتلعه لأنه عرف كيف يحافظ على لغته، فتميز عن تلك الحضارات وأصبح سيد نفسه.
- وهل يصمد شعب الأمازيغ أمام زحف العولمة؟
كان بيت صديقي على قمّة الجبل، نظر إلى الأفق، ثم أعلن:
- سأصاحبكم إلى قرية تبعد بضعَ كيلومترات عن الطريق الرئيسية، وسترون كيف أنّ الأمازيغ ما زالوا يمارسون نفس وسائل الدفاع عن وجودهم.
انتقلنا إلى قرية توجد على أحد المرتفعات الكثيرة المنتشرة على امتداد البصر، وهي جبال مطماطة، تنطلق من مشارف شط الجريد بقبلي إلى قلب الصحراء بليبيا، وجل سكانها في الماضي القريب كانوا من البربر أو الأمازيغ كما يحلوا لصاحبي تسميتهم. كانت الطريق ضيقة ووعرة، بعضها يغطيه الإسفلت والبعض الآخر مفروش بالحصباء، وكانت البيوت القصيرة المبنية بالحجارة الرملية التي تعترضنا من حين لآخر لا توحي بوجود بشري. سألت صاحبي عن سر هذا الصمت في هذه البيوت، فقال:
- رحل سكانها إلى المدينة لكنهم يعودون إليها في الصيف. لا بد للأمازيغي من العودة في الصيف حيث تقام الأعراس، وزيارة الأولياء، ويتعرف الشبان على زوجات المستقبل، الأمازيغي الحر لا يتزوج سوى أمازيغية، ولو أنّ بعضهم أخذ يتخلى عن هذه العادة.
بعد عناء كبير وصلنا القرية الجاثمة على قمّة الجبل. لم تكن تختلف كثيرا عن القرى الجبلية الأخرى: أزقة ملتوية وبيوت قصيرة، بعضها مبني بالإسمنت وله هندسة عصرية لا تتناسب مع مجموع هندسة البيوت الأخرى - ربما أخذ الزحف الحضاري يطول البيوت قبل أن يطول اللغة – وعند ساحة القرية توقفنا أمام دكان العطار، حانوت يعرض صاحبه فيه كل ما يلزم من المواد الغذائية. تحدّث صاحبي إلى الدكانيّ بلغة البربر التي لا أفقهها، فرحب بنا، ثم طلب من أحد الأطفال أن يصطحب ابنتي إلى أحد البيوت حيث قامت بأبحاثها.
ظللت بالدكان ما يقارب الساعتين أترقب ابنتي، ورأيت كيف أنّ كل سكان القرية يتخاطبون بلغة البربر بينهم بينما يتكلمون معي باللغة العربية. سألت صاحب الدكان عن سرّ معرفة كل السكان للغتين، البربرية والعربية، فأجاب أنّ الطفل الأمازيغيّ يتعلّم لغة أمه، ثم يتعلم العربية بالمدرسة، أما الكبار الذين لم يذهبوا إلى المدارس فيتعلمونها عندما يهاجرون إلى المدن. سألته:
- هل في القرية من لا يعرف العربية؟
- العجائز والنساء اللاتي لم يغادرن القرية. أما الرجال فيتقنون العربيّة.
في الحقيقة لم أفهم لماذا تصرّ هذه المجموعات الصغيرة على الاحتفاظ بلغتها، في الوقت الذي يعلم الجميع أنها لم تكن قطّ مهددة في كيانها. لا يوجد عرق بربري، فقد اندمج البربر منذ انتشار الإسلام في هذه الربوع في الحضارة العربية الإسلامية، بل أنّ جل الدول الكبيرة التي حكمت المغرب العربي كان أصحابها من أصول بربرية، وحتى العربية التي يتكلّم بها أغلبية سكان شمال إفريقيا متأثرة في نطقها وفي بعض تراكيبها باللغة البربرية. ولم يسجل التاريخ أحداثا كبيرة وقعت بين البربر والعرب. ولم يقع منع اللغة البربرية في أي فترة من فترات تاريخ هذه الربوع حتى تقع ردّة فعل لتتشبث هذه المجموعات بلغة ليست لها كتابات هامة، ولم تنتج أدبا ذا قيمة. إذن لا بد أنّ شيئًا في طبيعة البشر يدفعهم إلى حماية لغة الأم.
إنّها الأم يا سيدي ! إنها حامي اللغة والعادات والثقافة الشعبية. ثم إنّ اللغة عنصر من عناصر شخصية الفرد والمجموعة. اللغة هي في الآن نفسه حميمية وعامة، وهي اللحمة التي تقوي أواصر المحبة والإخاء والانتماء داخل المجموعة. وصيانة اللغة هو واجب مقدس لأنه بدونها تتلاشى تلك اللحمة وبالتالي تتفتت المجموعة. وهذا ما فهمه البربر منذ آلاف السنين. وهذا ما يجب أن يفهمه اليوم مستعملو الخليط اللغوي العربي الفرنسي الذي لا طعم له ولا رائحة ولا معنى. نسمع في شوارعنا وفي محلاتنا العمومية في كثير من بلدان شمال إفريقيا لغة من هذا القبيل يتحدّث بها بعض الشباب وبعض المثقفين، ودخلت في لافتات الإشهار وحتى في بعض الإذاعات غير المسؤولة، أو لنقل الجاهلة بهذه القضية.
اللغة كائن حي ينمو ويتطور بطريقة طبيعية، ولا أعتقد أنّ لغة أي شعب بحاجة إلى عباقرة حتى تنمو وتبقى ما بقي ذلك الشعب، وهذا ما برهن عليه البربر وشعوب أخرى في أصقاع كثيرة من العالم، كشعب الباسك الذي يعيش بين فرنسا وإسبانيا، والذي حافظ على لغته منذ آلاف السنين، وهي اللغة المختلفة عن اللغة اللاتينية وحتى عن الهندوأوروبية.
لسائل أن يسأل إن كان وراء التخاطب بهذه اللغة الهجينة مشروع عولمي يسعى إلى الزحف على شخصيتنا فبدأ بإلباسنا زيا لم نكن نلبسه، وسرب لنا عادات لم تكن منا، وها هو اليوم يبعث في لغتنا فيروسا ربما يصيبها بالوهن فتعجز عن اللتعبير عن إرادتنا، لأنه في آخر المطاف يريد أن يصل إلى سلبنا تلك الإرادة التي تجعلنا نصرخ من حين إلى آخر بأننا لن نرضخ دائما، ولن نُبتلع.
اكتشفت حقيقة مقاومة البربري للغزو اللغوي. كانت المرأة تقف سدا منيعا لتصون لغة الأجداد، وتغرس في الأجيال المتلاحقة حب اللغة، وحب الأرض، وبذلك رسّخت إنسانية البربري الذي عاشت لغته آلاف السنين، وما زالت تعيش إلى اليوم رغم كل الهجمات الشرسة عليه وعلى لغته. تحية إعجاب لتلك المرأة البربرية المناضلة في صمت، وراء جدران البيوت الجبلية المحفورة في الجبل، وداخل الأحواش المطماطية التي لا مثيل لهندستها في العالم.
الغريب أنّنا في تونس لم نعِ بعد أنّه علينا حماية هذه اللغة. الغريب أن نرى لغات بعيدة عنا كل البعد مثل اليابانية والصينية والروسية تُدرّس في معهد اللغات، ولا نرى البربرية التي ناضل أصحابها وهم من بني جلدتنا من أجل أن تبقى نقية يتحدث بها الطفل والشيخ، متروكة بين جبال وشعاب مطماطة ربما تزحف عليها صحراء العولمة في يوم من الأيام فتدفنها في الرمال.
آن الأوان أن يخصص قسم لدراسة اللغة البربرية في بلادنا كما هو الشأن في الجزائر والمغرب.
قرأت في تقرير لليونسكو أنّ ما يقارب الألف لغة قد ماتت منذ أن حكمت لغات أوروبا الاستعمارية أصقاعا كثيرة في العالم. موت لغة يعني أكثر من موت فصيلة من الحيوانات، إنه موت جزء من عبقرية الإنسان. وكما عملنا على تخصيص محميات لإنقاذ بعض الحيوانات المهددة بالانقراض، علينا أن نحمي اللغة البربرية في تونس. فهي جزء من ثقافتنا وشخصيّتنا.
عمل لا أظنه صعبًا على جامعتنا.

 
 
 
 

التعليقات 16 على “الشعب الذي قاوم العولمة منذ ثلاثين قرنا”

  1. كمال العيادي:

    الأستاذ الفاضل الهادي ثابت,

    تابعت بمحبّة وغبطة هذه الرحلة الملهمة في عمق التاريخ ووفجاج الجغرافيا المتروكة أو المسكوت عنها. وأصدقك القول أنّ أكثر ما شدّني هوّ هذا الإسلوب السّردي الرائع الذي تقدّم به رؤيتك وموقفك الهادئ والثابت من قضيّة تعدّ من أسخن القضايا المعقّدة واكثرها إحراجا منذ أحقاب. ورغم أنّني أتّفق معك كلّ الإتفاق في الكثير من النقاط المطروحة, وخاصّة إستغرابك من هذا التوجّس المفتعل والحال أنّه فعلا مفتعل بكلّ المقاييس, والدليل أنك لا تكاد تجدّ متطرّفين في تقطيع الجسد المغاربي , إلا بين أؤلئك الذين ينطلقون من منطلقات عرقيّة ضيّقة ورؤى إقصائيّة أضيق من خرم إبرة, ومن الطرفين, عربا كانوا أم عربانا بربرا أم أمازيغ.
    فجميل ورائع أن تتعاضد وتتقاطع الحضارات لتشكل فيسفساء مذهلة, تزيد الأرض غنى وأصالة. ولكن التعصّب لا يؤدي إلا إلى المرارة والقطيعة والعقم الإبداعي, كون الإبداع مجاله إلغاء الحدود مع الحفاظ على الخصوصية…وأعرف عشرات من المبدعين الحقيقين من المغرب ومن تونس ومن الجزائر, يتضايقون من كلّ شكل من أشكال الحدّة والتطرّف في طرح هذه المسألة…وفي المقابل, تصدمك بعض المواقف المتشدّدة إلى حدود مرضيّة مرعبة. وهنا تأتي أهميّة هذه الورقة, أنّها تطرح القضية من كوّة ابداعية وفكرية وحضاريّة راقية ومتحضّرة…ومشروعة, بحيث تثير السؤال, دون مبالغات مفتعلة.

    كما لا يفوتني وأنا أعبّر لك عن سعادتي بالقراءة لك, أنّنا ننتظر بفارغ الصبر فصول من رواياتك في الخيال العلمي, ومنذ أعلنّا عن ذلك والأحبّة لا يكفّون عن السؤال, فلا تحرمنا ممّا أبدعت في مجال نادر حقّا.

    كمال العيادي
    www.kamal-ayadi.com

  2. الهادي ثابت:

    شكرا عزيزي كمال.
    لم يكن وضع البربر يشغلني، ولاحظت عند زيارتي لهم أنّ هذا المشكل لا يوجد بتاتا لديهم. جبلوا على حماية لغتهم دون ضجيج ولا كثير نظريات، وهم في تونس مندمجزن في النسيج الاجتماعي والحضاري في بلادنا. لكن كإنسان أعي مدى قيمة اللغة أي لغة، أردت أن أنبه أن اللغة البربرية في تونس ربما تأت عليها العولمة كما أتت على مآت اللغات في إفريقيا ولذا يجب علينا صيانتها بفتح المجال لدراستها بالجامعة التونسية. لا أريد غير ذلك، وأظنني كنت واضحا في طرح القضية. إنسانية فقط، لغوية فقط. ولا أرغب أن يقع تأويل رغبتي.
    شكرا عزيزي كمال على كل اللطف الذي ترعاني به.
    الهادي ثابت

  3. فاضل التركي:

    المبدع الاستاذ الهادي ثابت …

    رحلة ممتعة أخذتنا معك فيها لنناقش مسألة من أحرج المسائل في جو خال من أي نية للجدل وهذا بحد ذاته عدوى فن السرد الذي يجري في حبر قلمك..

    إن هذا مسألة حياة اللغة العربية التي نتأسف ليلا نهارا على وصولها إلى مستوى ينذر بالتراجع .. وإنني لأنتظر يوما تكون فيه اللغة - بعيدة عن التنظيرات والمجامع اللغوية - لغة حية ككائن حي ينمو ويكبر ويتحدث بأفكار اليوم بكل يسر وسهولة دون سرقة هنا وسرقة هناك ..

    لك وافر الشكر التقدير ودم بخير
    فاضل التركي

  4. الهادي ثابت:

    شكرا الأستاذ فاضل التريكي
    ربما لم أكن واضحا بما فيه الكفاية، لم أقصد بتاتا التحدث عن اللغة العربية، إني تطرقت إلى اللغة البربرية، وهي لغة قديمة قدم الإنسان بشمال إفريقيا، ويتكلمها إلى الآن عدد كبير من سكان المغرب العربي. ولها لهجات مختلفة، وقد بدأ البعض بتدريسها في الجامعات. وكما قال صديقنا كمال العيادي بعضهم يتطرف فلا يعترف بأنها لغة، في الوقت الذي، وحسب مقاييس الألسنية الحديثة، هي لغة بكل ما في اللغة من مقومات.
    أتوقف عند هذا الحد حتى لا أنعت بأشياء أنا بعيد عنها كل البعد.
    الهادي ثابت

  5. فاضل التركي:

    الاستاذ الهادي ثابت..

    كان هدفي من المداخلة محاولة سحب تجربة اللغة الامازيغية على معضلة تمر بها اللغة العربية في العصر الراهن رغم اختلاف ظروف اللغتين وتشابههما من جهة كونهما كائنين وفارق الدرجة من ناحية الانضواء تحت ظرف العولمة ..

    هل تعاني الامازيغية من الكلمات الدخيلة أم مازالت خالصة على ألسنة متحدثيها؟

    تقبل وافر التقدير
    فاضل التركي

  6. آدم فتحي:

    عزيزي الهادي:
    جميل أن تحضر روح الروائي في جسد نصٍّ يُفكّر.
    وجميل أن يتمّ طرحُ مسألة لغة الأمازيغ، كما فعلتَ، أي بعيدًا عن أيّ شوفينيّة أو إقليميّة أو خلفيّات إيديولوجيّة.
    أنتَ تتحدّث عن جمال (وضرورة) المحافظة على شروط التنوّع والثراء. ومن شروط التنوّع اللغة التي تقولُ تاريخَ مجموعةٍ وثقافتَها وتجسّد خصوصيّتها، بعيدًا عن التقوقع والانغلاق.
    وكما أوضحت بين سطور نصّك: المحافظة على اللغة لا تعني عدم تطوير تلك اللغة وتهجينها بما تمتصّه من روافد.
    كما أنّ المحافظة على اللغة لا تلغي الحوار مع العالم، بل هي شرط من شروط هذا الحوار..
    لذلك وقّعت دُول العالم (باستثناء الولايات المتّحدة الأمريكيّة وإسرائيل وأستراليا) على معاهدة التنوّع الثقافيّ.
    من ثمّ لا أراك مختلفًا مع عزيزنا فاضل التركي، في أنّ ما قلتهُ عن لغة الأمازيغ، يصحّ على العربيّة أيضًا.
    تحيّة من هنا إلى مطماطة.

  7. هويدا صالح:

    المبدع القدير هادي ثابت
    جميل تسريد الرؤي وعرضها في سرد قصصي
    جميل مناقشة القضايا المسكوت عنها
    والجمل تقبل الآخر وتقبل ثقافته وتنوعها …………
    استمتعت بأسلوبك الرائق
    وفهمت منك مسألة طالما سألت عنها وقرأت ولكنني لممت بها من مقالتك بشكل جميل
    لك محبتي

  8. الهادي ثابت:

    العزيز فاضل التريكي
    المعذرة أني تسرعت في إجابتك لأنّ الموضوع حساس جدا. أرى أنّنا بتعميم ظاهرة انقراض اللغات لن نكون موضوعيين. اللغة العربية تعاني من المشاكل الحضارية التي يتخبّط فيها متكلموها. أمّا اللغة الأمازيغية فهي تعاني من عدم الاعتراف بها كلغة مستقلّة عن العربية. الأمازيغية لغة “سامية” ولو إني لم أقبل هذه اللفظة، ولكني لم أقبل لفظة يريدها البعض وهي اللغة العربية، فكلاهما لغة مستقلة بذاتها ولو يتقاسمان الجذور القديمة للغة بدائية يصعب تحديدها. والمشكل الإبستمولوجي لا يهمني كثيرا. أرى الواقع: شعوب (لاتوجد إحصائيات لحصرها) تستعمل هذه اللغة منذ آلاف السنين(اختلف المؤرخون في تحديدها) وحافظوا عليها، وهي الآن كنز، ثروة بشرية. تصور أنّ هذه اللغة كانت متواجدة وبندية مع اللغة المصرية القديمة بما أنّ الأمازيغ كانت لهم علاقات اقتصادية وثقافية متينة مع المصريين القدامى! هذه اللغة مهددة بالانقراض لا نتيجة تعسف ما ولكن نتيجة الحياة العصرية ونزوح الريف على المدينة وانتشار وسائل الإعلام في كل بقعة من الأرض. أليس من واجبنا كبشر أن نحمي هذه اللغة ونحافظ على هذه الثروة؟

  9. الهادي ثابت:

    العزيز آدم
    إنّك خبير في توريط قارئك. وسأتحدّث إليك مباشرة ودون قفاز! أليس من شروط التنوع الثقافي أن نساعد على حماية لغة مهددة بالاندثار بإعانة متكلميها على لمّ شتاة تلك اللغة وتعليمها لمن يرغب؟ أليس من واجبنا كمجموعة وطنية أن نجعل من تلك الثروة المتوارثة عبر آلاف السنين مكسبا لكل المجموعة؟ لكل لغة عبقرية وفن وابداع، ماذا نعرف نحن المثقفون الواعون عن عبقرية وفنون وإبداعات الأمازيغ أخواننا وجيراننا وأصهارنا؟
    وأسئلة أخرى أتركها للقائنا الأسبوعي.
    ودمت عزيزا

  10. أنوار سرحان:

    أستاذنا الفاضل الهادي ثابت..
    لعلّك في نصّك الجامع للأسلوب السردي الممتع ، والعلمي المقنع ، قد لامستَ بعضا من نفسي ، ربما لاهتمامي بشؤون اللغويات ضمن دراستي. ولعلّ ما يستحق الإشادة حقا ، هو تلك الموضوعية الحكيمة التي تناولتَ بها موضوعك.
    بينما قرأت مقالتك سيدي ، تداعت في خاطري أكثر من نقطة ألخصها بما يلي :
    _ اللغة كهوية ، والتشبّث باللغة الأم لجماعة أو قوم ، قادرٌ على منحهم إمكانية الحفاظ على خصوصيتهم دون أن يعيق اندماجهم مع الآخرين ( ولعل هذا أهم ما نحتاجه جميعا اليوم وليس الأمازيغ فقط).
    - دور الأم في ترسيخ اللغة الأصلية لأبنائها.. وهنا تذكرتُ إخواننا الشراكسة في بلادنا ( فلسطين 48) ، ولغتهم المحكية التي لا توجد منها أية مادة مكتوبة وليست لها رموز للكتابة (حروف) ، ولم يوثَّق بها أي تاريخ أو حضارة ما.. ورغم أنهم يتعلمون في المدارس باللغتين العربية والعبرية ، ويتقنونهما ربما أكثر أهلهما ، على أنهم ما زالوا متشبثين بلغتهم الشركسية ، ولا يتخاطبون بينهم إلا بها ، ما جعلها نقية من الكلمات الدخيلة ، بعكس العربية مثلا التي غلب عليها طابع الخلط والمزج حتى أن الطفل العربي عندنا غدا يتعلم من صغره كلمات عبرية ويحسبها جزءا لا يتجزأ من لغته.. فباتت لنا لغة هجينة من العربية والعبرية كما لإخواننا في بلاد أخرى مزيج من العربية والفرنسية ، أو العربية والإنجليزية..

    ولنا أن نتصور الهوية الفكرية والثقافية والحضارية لمن يملك لغة هجينة غير صافية ، بأنه إنما تنقصه هوية خالصة أيضا دون شوائب..

    أما النقطة التي أثارت إعجابي بحق ، فهي مطالبتك بتدريس الأمازيغية ضمن الجامعات التونسية ، وفي هذا أفهم أن اللغة حين تواجه اعترافا رسميا بها ، وتعامَل باحترام بل وتدرَّس في الجامعات، فإنها تحظى بأبسط حقوقها للبقاء..

    أحييك بشدة أستاذ هادي.. ولا يفوتني أن أشكرك لاستمتاعي بصوتك الليلة الماضية عبر برنامج أخينا آدم.. وأذكّرك بأننا في انتظار أجزاء إحدى رواياتك في الخيال العلمي.. فلا تضنّ بها علينا..

    لك أبهى تقديري.. وأسمى تحياتي.

  11. الهادي ثابت:

    العزيزة هويدة صالح
    أشكرك على لطفك.
    إننا معشر العرب صرنا حساسين لأي ظاهرة يمكن أن نشتمّ من خلالها رائحة التفرقة والتفتت. صحيح أنّ المستعمر الفرنسي لعب على حبل اختلاف البربر عن العرب ليزرع التفرقة والتشرذم، لكنه لم ينجح. سكان بلاد المغرب العربي مزيج من شعبين البربر والعرب، يقول أكثر المؤرخين أنّ أصولهما واحدة: عربية/سامية. وقد امتزجت قبائل البربر بالقبائل العربية القادمة من شبه الجزيرة العربية، وخلف ذلكالامتزاج قبائل عربية بربرية تتكلم اللغة البربرية، وقبائل بربرية عربية تتكلم اللغة العربية، وهذا المزيج كان نتيجة صراعات على النفوذ وعلى الأرض، وقد أدى إلى النسيج الاجتماعي الذي نراه اليوم في كل بلدان المغرب العربي من ليبيا إلى موريطانيا. اللغة العربية كانت منذ انتشار الإسلام في هذه الربوع هي المهيمنة على الحياة السياسية والثقافية، لكن اللغة البربرية ظلت متواجدة يتكلم بها أهلها الذين ناضلوا من أجل المحافظة عليها إلى يومنا هذا.
    هذا هو لب المشكلة، وتدخلي ينحصر في أني كمثقف وكإنسان أرغب في أن تصان لغة ربما ياتي عليها زحف العولمة قبل غيرها.

  12. هويدا صالح:

    أستاذي الهادي ثابت
    لك حظ من اسمك ، في أسلوبك دعة ووقار ، ونقاشك الرصين المتقبل للاختلاف يدعو للإعجاب ……..
    أستاذي حين كنت في التربية والتعليم أدرس للصغار قصة عقبة بن نافع ، كنت أعجب لدور البربر في نشر الإسلام واتخاذه دينا ، فهم لهم الفضل الكبير هذا أولا ………..
    ثانيا في زمن العولمة وتشييع الفن والأدب والحضارات حتي تتساوي أمة عمر حضارتها سعة آلاف عام بأمة عمر حضارتها بضع مئات ، علينا أن نتمسك بهوياتنا الصغيرة ، بثقافتنا ، بلغتنا ، حتي لا يضيع كل شيئ أمام هيمنة و سيطرة ما بعد الكولينالية ………..
    ماذا يضير العروبيين أن يتمسك الأمازيغ بثقافتهم ولغتهم ماداموا لن ينسلخوا من جسد الأمة العربية ، ومادام فكرهم وتراثهم في خدمة الوطن العربي ……………..
    وهل ننسي جهودهم الأدبية الجميلة حين قربوا للقارئ العربي الثقافية الفرانكوفينينة ………..؟
    كلنا في مركب واحدة عرب وأمازيغ وسنة وشيعة ومسلمين ومسيحيين ، ولن يستفيد من فرقتنا وصراعنا سوي الكيان السرطاني المتربص بنا وهو إسرائيل ………..
    في مصر حاولوا مرارا إيجاد مناطق للصراع
    مصر فرعونية أم إسلامية ؟
    فتح عربي أم غزو عربي
    مسليمين أم مسيحيين
    ولكن شعب مصر كما قال النبي الكريم في حديثه الشريف ” في رباط إلي يوم يبعثون ”
    سيدي دمت مبدعا ومفكرا جميلا .

  13. الهادي ثابت:

    عزيزتي أنوار
    استفدت من تدخلك حيث عرفت لأول مرة أنّ هناك في فلسطين العزيزية لغة ما زالت تعيش رغم كل التقلبات التاريخية التي أتت على المنطقة. إنّ الشعوب التي تحافظ على كيانها بحماية لغتها هي شعوب عبقرية لأنها تدرك القيمة الحقيقية للإنسان. الذين يمزجون لغة بلغة أجنبية ليسوا واعين بخطر العملية على كيانهم. لقد حرم القانون الفرنسي مزج اللغة الفرنسية بأي لغة أخرى، وعاقب ذلك القانون تلك العملية، فما بالنا نحن نشجعها في وسائل الإعلام وفي شعارات الفرجة وفي اللافتات الإشهارية؟ أليس هذا جرم يرتكب في حق اللغة؟ أصرنا متفتحين أكثر من الفرنسي؟ هل هو الجهل أم يد تعمل في الخفاء؟ على أهل القرار السياسي أن يحسموا وإلا حاسبهم التاريخ لأن الشعوب لم تعد لها إرادة.
    بهذه المناسبة أحيي شعب 48 المناضل، وتصلني أخباره عبر مجلة عرب 48 الإلكترونية، وكم أشتاق لرؤية أهله.

  14. عطية الأوجلي:

    الأستاذ الهادي…

    أود أولا أن اسجل اعجابي بهذا المقال الجميل وبلمسات الصفاء والرصانة التي زينته.
    ثانيا .. ارفع صوتي مع صوتك بشأن تدريس اللغة الامازيغية . كما اطالب الجامعات الليبية بأن تقوم بتدريس هذه اللغة التي يترنم بها جزء لا بأس به من سكان الجبل الغربي وواحات الجنوب الليبي.

    دمت يا سيدي الكريم ودام ابداعك.

  15. الهادي ثابت:

    شكرا سيدي عطية الأوجلي
    كنت أترقب تعليقا من الأخوة الليبين الذين نشاطرهم الحضارة واللهجة والإرث الإنساني المشترك منذ أن عمّر البشر هذه الربوع. مشاكلنا واحدة وثقافتنا واحدة منذ آلاف السنين. وربما لو يعي أهل القرار في بلدينا أن يكون مشروع تدريس اللغة الأمازيغية مشروعا مشتركا بين المؤسسات الجامعية بليبيا وبتونس.
    حتى أن تتبلور الفكرة بعيدا عن كل المزايدات السياسية والأيديولوجية لك مني تحياتي.
    الهادي ثابت

  16. حياة الرايس:

    استاذي الفاضل سي الهادي
    امر ّ للتحية تحية المساء
    و احتفظ بالنص في مفضلتي
    ساعود اليه و لو بيني و بين نفسي
    انه جميل جميل بسرده و اسئلته ….
    تقديري و مودتي
    حياة





الهادي ثابت

لماذا الكتابة في الخيال العلمي ؟

إمدادات هذا الكاتب  الهادي ثابت 24 مارس 2007

شكرا لك عزيزي كمال العيادي على دعوتك لي للمشاركة في الكتابة على أعمدة دروب. وقد أثرت في نفسي دعوتك اللطيفة، وقررت أن أساهم معكم في إثراء الحوارات التي تقام على صفحة دروب.
قلت في نفسي عندما بدأت هذا المقال: ماذا سأكتب لقراء لم تسمح لي الفرصة أن تعرفت على ميولاتهم واهتماماتهم ومستوياتهم؟
ربما بعضهم سمع عني أني أكتب في الخيال العلمي، ولو أنّ المثقفين العرب وحتى الأجانب لا يهتمون كثيرا بهذا الأدب. لكنّ تجربتي أقنعتني أنّ الشباب يهتمّ كثيرا به، ويرغب في مطالعته رغم قلة كتابه في اللغة العربية. وحتى أستدرج بعض المثقفين الرافضين لهذا الأدب فسأحاول الإجابة عن هذا السؤال: لماذا ولمن أكتب رواية الخيال العلمي؟
بادئ ذي بدئ لا بدّ أن أشير هنا أني زيادة عن كتابتي في الخيال العلمي فإني كتبت رواية “واقعية” وسأصدر قريبا رواية ثانية في هذا الصنف.
أكتب في الخيال العلمي لأنه بكل بساطة يمكنني من نظرة شاملة للبشرية. أعتقد راسخا أنّ الجنس البشري واحد، وأن الاختلافات الثقافية والحضارية هي تنوع ثري لهذا الجنس؛ ولذا عندما أكتب في الخيال العلمي أحاول أن أرى هذا الإنسان يعترف بهذه الحقيقة التي تتداول في كل مكان لكنها لا تتجسد في واقع إنسان اليوم.
كتابة الخيال العلمي تسمح لي بأن أعانق الكون بكل أبعاده، كما تمكنني من نشر ثقافة كونية مبنية على ما توصل إليه الإنسان من معرفة عن هذا الكون. فرواية الخيال العلمي، زيادة عن التقنيات السردية التي يجب أن يمتلكها الكاتب، فهي تفرض عليه اطلاعا جيدا على العلوم المختلفة المتصلة بالسياق، وخيالا واسعا يسمح له بأن يركب قطار الزمن سواء في رحلته إلى المستقبل أو في رجوعه إلى الماضي.
الزمن والعلم والخيال هي العناصر الأساسية في رواية الخيال العلمي.
الزمن يغريني بكل أبعاده. تصرف الإنسان مع الزمن هو ثلاثي الأبعاد: يعيش الحاضر لكنه لا يتخلص نهائيا من الماضي، ولا يمكنه أن لا يتطلع إلى المستقبل. كاتب الخيال العلمي يسمح لنفسه بأن ينظر إلى هذه الجدلية بمنظار محايد بعيدا عن لحظة التبلور، وغير ملتصق بلحظات الماضي، ومتحكما في سياق المستقبل. وهذه اللعبة شيقة إلى حدّ كبير يجد فيها كاتب الخيال العلمي متعة لا توصف، كما أنها تمكن القارئ من الإبحار في عوالم متعددة. الزمن هو الكون لأن المادة التي تكوّن هذا الكون ترضخ إلى جدلية الزمن. ألم يقل أينشتاين أن الكون يتمطط مثل الزمن، وإنّ فرضية تسريع الزمن تضعنا في عالم غير مادي. كاتب الخيال العلمي ينطلق من هذه المقولة العلمية ليبحث من خلال تمطط الكون فرضيات مختلفة لواقع الكون، ويسعى إلى تسريع الزمن ليكتشف ولو بخياله كيف تتحول المادة إلى طاقة، وكيف يمكن للإنسان العيش خارج كتلته المادية. أليس هذا مغريا للكاتب؟
العلم بالنسبة لكاتب الخيال العلمي ليس تلك المادة الجافة صاحبة اللغة الخاصة العصية، أو تلك المعادلات الرياضية التي تسمح بامتلاك الدقة والموضوعية والنجاعة في التطبيق. العلم بالنسبة لكاتب الخيال العلمي هو ما يمكّن الإنسان من فهم دقيق لعالم المادة ولتفاعلاتها، للحياة وتشعباتها، للإنسان وتناقضاته. ومنطلق كاتب الخيال العلمي عندما يستند إلى العلم في سرده هو الحقيقة العلمية التي توصّل إليها العلماء بأدواتهم وآلياتهم ومعادلاتهم. تلك الحقيقة التي تفجّر خيال الكاتب فيُنشأ بها عالما خياليا لكنه ممكن التحقق بما أنه يستند إلى الحقيقة العلمية. ففي هذا المجال يسمح كاتب الخيال العلمي بأن يستبق تطبيقات الاكتشافات العلمية، ويصنع واقعا ربما يرى النور في أحد محطات الزمن الراكض أبدا نحو المصير المجهول. ولا أدلّ على ذلك مما قام به أحد رواد كتاب الخيال العلمي المعاصرون الفرنسي جول فارن Jules Verne ، فقد رأت مخترعات جول فارن العلمية الخيالية، وجودا فعليا مائة سنة بعد وفاته. بل هناك من العلماء من يترقب من كتاب الخيال العلمي تجسيدا لتصوراتهم العلمية، لأن صاحب الخيال عندما يمتلك المعرفة العلمية يصبح أكثر التصاقا بمستقبل الاختراعات العلمية.
لا بدّ أن أشير هنا أني لست بالعالم، ولكنّ مطالعاتي مكّنتني من اكتساب معرفة علمية سمحت لي بفهم القضايا العلمية التي يطرحها علماء هذا العصر.
الخيال هو الذي مكّن الإنسان من الخروج من طور الحيوانية بالمعنى البهيمي للكلمة إلى طور الإناسة. فلولا خيال الإنسان لما طوى كل تلك المراحل من تطوره ليصل إلى ما هو عليه اليوم. خياله هو الذي دفعه للاستنباط، وهو الذي قرّب إليه المعرفة، وهو الذي مكّنه من تصور عالم أفضل يتبدل كلما أدركه لأن طموح الخيال لا حدود له. كان الرسام في المجتمعات البدائية يصنع الحدث لأنه بخياله يتنبأ بما سيحصل للصيادين وهم في طريقهم إلى الصيد، وتلا الرسام الراهب الذي قرأ الرموز. وفي مجتمعاتنا العصرية عوّض الأديب كل من الرسام والراهب، وجاء كاتب الخيال العلمي ليتنبأ بمستقبل البشرية. لعبة الخيال لدى كاتب الخيال العلمي فيها متعة كبير لأنها متحررة من كل ضوابط التخيل في المجالات الأخرى.
والخيال في كتابة الخيال العلمي يسافر إلى اتجاهات متعددة:
- حلبة الزمن وهي التي تسمح بالعودة إلى الوراء حيث ما شاء الخيال، بل تسمح أيضا بمزج الحاضر والماضي، وخلق شخصيات تعيش بين حافتي الزمن، تعيد الماضي، تجترّه، وتقتني من الحاضر تتغذى به. لعبة ولع بها الأمريكان في السنوات الأخيرة، بينما هي ولدت في القرن التاسع عشر، وظهرت منها روايات كثيرة شغف بها الجمهور في ذلك الزمن.
- بؤر الكوارث الطبيعية مثل الزلازل، والبراكين، وارتطام صخرة كونية بالأرض. وهنا يتفنن الخيال في الوصف والتدقيق والإثارة. ويظهر مكنونات النفس البشرية ومدى تأثير القيم الإنسانية في تلك الوضعيات العصيبة في حياة المجموعات البشرية. كما يظهر مدى عبقرية الإنسان في استنباط البدائل، واختراع الوسائل لحماية الحياة. وهذا النوع من الروايات والأفلام طغى في السنوات الأخيرة على جل رفوف وشاشات العالم المتقدّم صناعيا.
- أطوبيا المدينة الفاضلة، وهو نوع قديم قدم الأدب، وكان من رواده الفيلسوف الإغريقي أفلاطون برائعته “الجمهورية”. هذا النوع من كتابات الخيال العلمي أقرب الأنواع للخيال البناء الذي يصبو إلى عالم جديد متجدد، يكون فيه الإنسان مسؤولا عن مصيره، متحكما فيه حسب ما يتوفّر له من معرفة وإمكانيات مادية وعقلية. وهذا النوع يسمح لكُتّاب الخيال العلمي من نقد واقع مجتمعاتهم، أو واقع البشرية بصفة عامة مع تقديم الحلول الكفيلة بإخراج الإنسان من التردي الذي يصيبه عندما لا يدرك أنّ الحياة لا قيمة لها دون قيم الرقي والتقدم والطموح إلى الأفضل.
عالم اليوم يغلب عليه الغموض، والتناقضات، وانسداد الرؤى. فما أحوجنا إلى الخيال العلمي لكي نرى المستقبل أكثر وضوحا، ونرى قيم التقدّم تتغلب على قيم التخلف، ونستجلي عالما يتحد فيه البشر من أجل المعرفة والرقي وتطويع المادة لخدمة إنسانية الإنسان. هذا ما أحاول طرحة في رواياتي للخيال العلمي والتي كتبت منها ثلاث، وأطمح أن أكتب أكثر. وكل ما أصبو إليه هو أن تجد كتاباتي طريقها للقراء عبر العالم العربي.
كلمة أخيرة: تأخرت في الكتابة الأدبية لأنّ تكويني اللغوي لم يكن يسمح لي بممارسة لغتي الأم، إذ تكونت منذ الصغر بلغة فلتار، وحذقتها، وكتبت بها غير الأدب. ثم اكتشفت أنّ تلك اللغة أي الفرنسية تشبه الشجرة التي تحجب الغابة. وعندما اهتديت إلى الغابة، أي لغة الجاحظ، عدت ألتقي بذاتي، وقررت أن لا أتوقف عن الكتابة لأن لغتي الأم، العربية وجدت فيها متعة، ورحابة صدر، وجمالا فياضا أسعدني.

الهادي ثابت
alhadithabet@voila.fr

 
 
تقييم القراء :

  يمكنك التقييم مرة واحدة
 

التعليقات 14 على “لماذا الكتابة في الخيال العلمي ؟”

  1. كمال العيادي:

    أستاذي المبدع الرائع الهادي ثابت,

    بل هوّ شرف لي أن تلبي دعوتي للنشر بدروب, وأنا الذي يعرف أن دربك متفرّد ونادر, وأن قلمك مميّز وأصيل…وكلّ غاية هيئة تحرير دروب, أن تجمع أنبل الأقلام وأكثرها أصالة لتقديم ما هوّ مفيد للروح والذهن والقلب واللسان.وأن تكون الدروب منارة حقيقية يهتدي إلى قراها من ينشد الجديد والأصيل والمتين من أدب وأطروحات وآراء ومواقف وعلوم وتقنية وإعلام ونقد هادف نافذ, وتصوّر وفنون وغيرها من المحطات التي بدأنا منذ سنة ونصف في تأثيثها.
    قرأت لك رواية غار الجن, قبل سبع سنوات, ورواية جبل علّين والقرنفل لا يعيش في الصحراء التي أثارت لغطا كثيرا ورواية لو عاد حنبعل التي افتككتها أفتكاكا من معرض البيضاء خلال زيارتي الأخيرة منذ سنة, حيث وجدتها في يد العزيز الحبيب السالمي, وكانت نسخة يتيمة للعرض فقط, وغيرها من النصوص الفصوص والترجمات الرائدة …والمقالات الحيّة
    ولكم يسعدني اليوم أنّك تلبي النداء, ولتكن رسالتك هذه أول الغيث, لأنها تشرح للقارئ رؤيتك وتجيب عن سؤال هوّ مشروعك في الكتابة أصلا…

    محبّة يا غالي …ومنذ اليوم ستجد كلّ نصوصك في موقعك الفرعي وصفحة ذنوبك الإبداعية بدروب وهذا هوّ رابطها…

    http://www.doroob.com/?author=905

    شكرا للغالي آدم فتحي الذي أغراك أيضا بهذه الدروب, لتتورط معنا في هذه القلعة الإلكترونية الرائدة, ولتنادمنا وتؤنسنا.

    كمال العيادي
    www.kamal-ayadi.com

  2. أنوار سرحان:

    أستاذنا الفاضل الهادي ثابت.
    لعلّ كل من تابع تعليقاتك الرزينة الرصينة عبر مقالات الإخوة الدروبيين في الآونة الأخيرة ، تمنّى في أعماقه أن تنضمّ لتنير صفحات دروب.
    حقيقةً لم أنل شرف قراءة رواياتك حتى الآن ، لكن ثق يا سيدي أن الكاتب الحقيقي تكفي منه عبارةٌ لتفيض منها خصاله.. ولم أكن بحاجة والله لقراءة نصوصك لأدرك أني أمام أستاذ تشرّفني قراءته وتسعدني .. فتعليقاتك دلّت عليك …. وتمنيتُ أن أرى اسمك ينير دروب كاتبا وليس معلّقا فقط.. وها أنت اليوم تلبّي أمنيتي.. فمرحبا بك وألف مرحب.. وأمنياتي بطيب المقام.
    أستاذي الكريم..
    شدّني في مقالك وصفك لحالة كتابة الخيال العلمي.. بطريقة تثير الكثير من الفضول لدي.. أنا أعرف أن هذا المجال لم ينل حقه من المبدعين العرب.. ربما لكونه ذا احتياجات خاصة وسبل وعرة بعض الشيء.. لكن حقيقةً جذبني وصفك لحالة الكتابة وما يرافقك من متعة في ممارسة ما أسميتَه “تلك اللعبة”.. فازددتُ شوقا للاطلاع على ما جاد به قلمك في روايتك راجيةً أن تُنشر في دروب لنتمكن من قراءتها.

    مرحبا بك مرة أخرى .. وبانتظار نصوصك لك مني كل التحيات الطيبة .

    أنوار سرحان.

  3. الهادي ثابت:

    شكرا العزيز كمال على لطفك.
    لقد سرّني كثيرا أن أرى نفسي بينكم وأشاطركم هموم الكتابة، وتبليغ الفكر إلى القراء في زمن أخذت فيه الكلمة تنحدر إلى الابتذال والذبول لفرط ما حشوها كذبا وتزييفا ولغوا.
    سأكتب كلما اخترقتني فكرة أو دغدغتني تخيلات. ولكني مارست مهنة التعليم أكثر من ثلاثة عقود، ولذا اسمحوا لي أن أكون من حين لآخر متلبسا بعباءة المعلم، إنه الشذوذ المهني، أرجو أن لا يزعجكم كثيرا.
    أعود أشكرك من جديد لأنه بفضل موقعكم تعرفت على رجل كبير وهو الصديق عبد السلام زيان.

  4. آدم فتحي:

    أشرقت الأنوار يا سي الهادي
    أهلاً وسهلاً بك في هذه الدروب
    المزدانة بخيرة الأقلام والأرواح.
    أعرف أنّنا سنستمتع ونستفيد بما تكتب.
    ألست” الهادي” و”الثابت” في الوقت نفسه؟
    دمت.
    آدم

  5. كمال العيادي:

    أستاذنا الكريم الهادي ثابت,

    إخلع عنك عباءة المعلّم إذن, فهي ثقيلة ولا تكفينا من مبدع رائد نؤمن به مثلك…ما أكثر المعلمين في الأرض …وهي وظيفة باهتة خارج حيّزها, لن تمنحنا ما نرجو منك حقّا…وأعني ذلك المتوقّد فيك من تيه وجمال روح وجنون ابداعي…لن نتعلم منك غير ما ستمنعنا عنه من فتنة, كونك سبقت بها وحزتها.

    كم سأكون سعيدا لو نشرت لنا حلقات من رواياتك الرائدة…أما عن دروب فكلّها كبار..وليس فيها مغشوش أو مرشوش أو ملطوش إلا إلى حين…

    محبّة صادقة

    كمال العيادي

  6. أسعد الوصيبعي:

    أهلا بك تنير لنا دربا رائعا…
    إن الخيال العلمي لا ينتمي إلى صنف، أو لغة، بل هو كشوفات على مستوى الكون.
    أستمع هذه الأيام إلى أدبيات رائعة لإسحاق عظيموف يروي فيها بصوته أبدع ما كتب من الخيال العلمي:
    آلة النكت، وطفل النياندرتال، وغيرها الكثير..
    ورواية كارل ساغان (Contact) التي صورت على فيلم في القرن الماضي.

    كلها إبداعات تروي لنا صفحات غير مقروءة من واقعنا أو مستقبلنا.

    إهلا بك بيننا، وكلنا شوق لما ستهدينا،
    أسعد.

  7. الهادي ثابت:

    شكرا لك أنوار على الكلمات اللطيفة التي عبرت بها عن رغبتك في قراءة ما كتبت في مجال الخيال العلمي وإني أعدك أني سأرسل إلى دروب إحدى رواياتي لعرضها على قراء هذا الموقع الراقي الذي جمع ثلة من مثقفي الوطن العربي، وهو بذلك سيكون واجهة لثقافة يحاول العنف والعنف المضاد طمسها. لنا الحق نحن العرب في أن نهتمّ بمستقبل البشرية لأننا عبدنا الطريق للحداثة ويمكننا أن ننخرط في ما بعد الحداثة بفكر متحرر من الغبن والعنف المضاد لذلك اكتب لأصرخ أني أنسان قبل كل شيء ولأنادي بأن يعترف لي بإنسانيتي. لست برميل نفط ولا قنينة غاز ولا صحراء أكلها الجدب. إني الإنسان العاقل المنتج المبدع الساعي إلى الأفضل، إلى مستقبل يرفع عني كل أنواع القيود التي يكبلوني بها

  8. الهادي ثابت:

    أهلا بك أسعد
    أرى أنك مهتم بأدب الخيال العلمي وقد سررت لذلك. رواية كارل ساغان “إتصال” قرأتها وشاهدت الفلم لكنني أعيب على ساغن تجاهله للعرب عندما اجتمع علماء الدنيا وقرروا انشاء مركبة تتصل بأهل الفضاء. كانت كل أجناس البشر موجودة في ذلك المؤتمر إلا العرب، في الوقت الذي يعرف جيدا السيد ساغان أنّ عددا محترما من العرب يعملون في مجالات عدّة من الأبحاث العلمية الخاصة بالفضاء وفي أمريكا بالذات. وأنا أعرف سخصيا عالمين تونسين يعملان في الناسا وقد ساهما في بلورة عدة تقنيات في صناعة الأجهزة الخاصة بالفضاء. هل هو سهو أم نكران؟

  9. أحمد باحجوب السباعي:

    أحيي في الأستاذ الهادي ثابت استجابته لاثراء هذه الدروب المضيئة بمبدعين و أدباء من الوزن الثقيل !
    لا يسعني هنا الا تحية تقدير, لكل ما تجود به مخيلتك العلمية في هاته الفضاءات .

  10. فاضل التركي:

    المبدع النادر في عالمنا، الاستاذ الهادي ثابت ..

    لا تتصور كم أنا سعيد بحضورك ولك درب متميز فذ بين الدروب ..

    لكم نتوق شوقا لرشفة من العلم والخيال العلمي وأن تكون لنا ثقة نتكلم بها مثل ما يتكلم بقية العالم … أن نشعر أننا أحياء نعيش مع أحياء نتنفس و نحلم ونقول وننتج ونبدع .. ثقافة حقيقية وأدبا حقيقيا ..

    حضورك في دروب شمعة كبيرة تضئ من المبدعين الكبار هنا لتطرد الظلمة بعيدا .. وتشعرنا بشئ من الأنس .. والطمأنينة والأمل والعمل ..

    قرأت مقالتك وتصوراتك ووحي تجربتك هنا وكلي شوق للكتابات من الخيال العلمي والرواية التي تعدنا بها لتزيدنا شوقا ولهيبا ..

    كلي شوق لقراءة المقالة العلمية والتفكير العلمي .. والأدب الحقيقي ..

    وشكرا لكمال الكبير و الكبير آدم فتحي أن كان في دروب كبير مثلك مع الكبار .. ها هنا نخلق الابداع ونقدم المحتوى الثقيل في صنوف المحطات ..

    تقبل مني وافر المحبة والتقدير ..

    فاضل التركي

  11. آسية السخيري:

    أستاذي العزيز الهادي ثابت
    مرحبا بك هنا ومرحبا بك في كل درب له الفخر بأن يحضن كلمتك الصافية… سعيدة حد الزهو بقراءتك وبولوج عوالمك البهاء…
    دمت مزهرا

  12. أحمد ذياب:

    قلت سيدي وأخي أنّك لا تملك علما ولست بعالم وأشياء أخرى من هذا القبيل….
    والحال أنّك أعلم من كثير ممن يدّعون العلم.
    والحال أنّك تلج أغوار العلوم تترصّد وتصطاد كلّ ما فيها تلبسه كلّ خلاياك ثمّ تبسّطه في لغة سلسة رهيفة عذبة…
    والحال أنني أعلم أنّك تشاركني هوسا بالعلوم وبالعلم بصفة عامة في مسائل علمية بالإذاعة الثقافية تثري بزاد وفير غزير غزارة أمطار مارس الأخيرة…
    للحديث بقايا…

  13. كمال الرياحي:

    صديقي الرائع و الراقي جدا الهادي ثابت
    من سنوات قليلة تعرفت عليك فعرفت فيك الكاتب و الانسان الجميل
    و سعدت كثيرا باجراء حوار معك للصحيقة الادبية التي كنت أشرف على قسمها الأدبي و تشرفت بنشر فصول من روايتك المخطوطة و قصص الخيال العلمي التي ترجمتها . و كم كانت الجلسة التي استضفتك فيها في اتحاد الكتاب رائعة ،بشهادة الجميع ، خاصة تلك الشهادة العميقة التي ألقيتها لك المساء حول تجربتك الابداعية .
    انتظر صدور روايتك قريبا و صدور الكتاب الهام الذي ترجمته منذ مدة
    و سنلتقي قريبا في العاصمة بعد عودتك من رحلة الجنوب .
    وجودك هنا ضروري لتقدم المختلف .
    الصديق كمال الرياحي
    دمت ثابتا في عصر التحوّلات

  14. وفاء الحمري:

    اعلم ان الاخ كمال العيادي من صيادي الدرر
    وكلما غطس في المحيط الا وطلع علينا بالفريد
    استاذنا ومعلمنا الهادي ثابت
    مرحبا بك هنا ومرحبا بنا عندك
    وكانت مصافحتك الاولى لنا في محلها ولاقت عندي شخصيا قبولا ولهفة
    فالخيال العلمي في الادب والكتابة الابداعية هو ماء الحياة فيها …هو قوة الدفع بل هو الابداع عينه…
    ومقالتك اعلاه افاضت واستفاضت في الاحاطة بكل جواني هذا المسكوت عنه في الادب العربي وان كان هو الاصل
    هو الاصل لان كل قصة من ذوات الخيال العلمي تصبح بعد حين وبعد تغير سنن الكون وبعد الحقائق العلمية المستجدة اقول تصبح واقعية …
    وهكذا دواليه
    اذن المسالة بتوقيت توقيع روايات الخيال العلمي ليس الا …
    وكما ذكرت مشكورا ان الكثير من البحوث العلمية انبنت على قصص الخيال العلمي …
    مخيلة الانسان المبدع لا تنفك تبحث عن الجديد وفي مسار بحثها تحلق بعيدا وعاليا لتصنع الحقيقة وتضعها في لائحة الانتظارلتصبح بعد حين وقائع تابثة بالادلة العلمية والتوثيق المختبري فتتوج حينها بتاج الواقعية الذي كثيرا ما يريح ضمير الاديب (العربي خاصة)…

    كيما اطيل في حضرة ابداعك
    انسحب بهدوء تاركة براعم ورود لتنتعش في رحاب بساتينك الخضراء يا ابن الخضراء …

    ود 

 


 
 أربع روايات جديدة...الهادي ثابت إفتراضي

 

 ديوان العرب

أربع روايات جديدة للهادى ثابت
الاثنين ١٣ آذار (مارس) ٢٠٠٦

غار الجن

 رواية في الخيال العلمي، تدور أحداثها في أحد جبال مطماطة في الجنوب التونسي. بطلاها أرضيان: سائق سيارة سياح تونسي ودليلة سياحة ألمانية.

 أثناء رحلة سياحية لمجموعة من الشبان الألمان في زيارة للصحراء تتعرّض سيارتهم إلى حادث طريق لا ينجو منه سوى السائق التونسي والدليلة الألمانية وقد رمى بهما اصطدام السيارة في أحد المنعرجات داخل غار يسكنه أناس من الفضاء.

وتنفتح الرواية على عالم الخيال العلمي حيث يتعرّف البطلان على بشرية جديدة لها مقومات بشرية الأرض لكنها أرقى منها في كل الميادين. وتكون لهما تجربة فريدة وغريبة مع أناس في أعلى مراتب الرقي الذهني والأخلاقي، أتوا من قانماد بحثا عن المعرفة وإشباعا لغريزة حب الاطلاع.

فهل ينجح البطلان في التأقلم مع عالمهم الجديد؟ هذا ما تحاول الرواية كشفه للقارئ.

جبل علّيين

هذه الرواية تحكي رحلة في الفضاء بين الأرض وقانماد أحد أقمار المشتري العظيمة.

   وهي تتمّة لرواية غار الجن. فبعد أن خضع بطلا رواية غار الجن إلى تمارين عديدة رشّحتهما إلى التأقلم مع عالمهم الجديد، قرر أهل قانماد تبنيهما ودعوتهما إلى القدوم إلى قانماد للعيش هناك.

رحلة خيالية في الفضاء بكل أبعاده: فراغه، برودته، انعدام الجاذبية فيه، ظلامه الدامس، جسامته اللامتناهية، ولكنه وعاء الكون....

وعلى المريخ يكتشف البطلان كوكبا يشبه الأرض لكنه قاحل لا حياة فيه. كما يتعرفون على طموح القانماديين في تطويع العلم لزرع الحياة على المريخ....

وتتواصل الرحلة حتى قانماد حيث ستكون لهما حياة جديدة سيكتشفها معهم القارئ....

 القرنفل لا يعيش في الصحراء

 المثقف العربي ممزق بين عالمين: عالم تقليدي لا وجود فيه للحرية الشخصية خارج حدود الثقافة المهيمنة، وعالم متحرر يجد فيه الفرد حرية التصرف في حياته الخاصة حسب أهوائه وتصوراته وقناعاته الشخصية. وهذا المثقف يجد نفسه أمام اختيارات ثلاث: الاندماج في الثقافة المهيمنة، أو رفضها، أو الهجرة.

   هذه الرواية تضع أبطالها في الأوضاع الثلاثة. وتترك لهم الحرية في التعبير عن القلق الوجودي الذي يعيشونه سواء كانوا داخل هذه الثقافة أو خارجها. ويكتشف البطلان الرئيسيان أن محنتهما هي الوعي بالوجود... وهو وجود تكتنفه الحيرة وتهيمن عليه التناقضات. والوعي يؤدي أما إلى الرؤية الواضحة والاختيار الحر أو إلى الطريق المسدود.

والرواية قبل كل شيء هي قصة حب لم يصمد أمام تقلبات الحياة. لماذا؟ هذا ما سيكتشفه القارئ من خلال الرموز التي تطفح بها الرواية

 لو عاد حنبعل

من منا لا يعرف حنبعل؟ لا أعتقد أنّ أحدا لم يسمع بهذا الرجل. ومع ذلك فقد عزمت على أن أقدمّه للقارئ العربي في صورة ربما لم يعهدها الناس منه. لقد اشتهر حنبعل بالقائد العسكري الكبير، وبمكتشف استراتيجيا العسكرية المعتمدة على المعلومات والمراوغة وتظليل الخصم. لكن ربما لا يعلم القارئ أن حنبعل كان مستشرفا لمستقبل عصره، حيث استنتج من المعلومات التي كانت تصله عن تنامي القوة العسكرية الرومانية أنها تستعد لتصبح أقوى قوة عسكرية في العالم القديم. ولذلك سعى لجمع قواه التي كانت في حوزته في إسبانيا، واتصل بكل جيرانه من الأوروبيين ليحثهم على مساعدته في حربه ضد الهيمنة الرومانية. وقد استجاب جل القادة السياسيين الذين اتصل بهم، وساعدوه بما كان ممكنا لديهم، وخاض حنبعل حربه ضد روما محاولا الحد من توسعها. دامت حربه تلك أكثر من خمس عشر سنة قضاها داخل إيطاليا يحارب روما دون هوادة.

  وروايتي هذه هي مزج من قراءتي لتاريخ حنبعل، وقفزة في عالم الخيال العلمي حيث يصبح حنبعل نسخا يستنسخه أناس الفضاء، تجربة علمية يسعى هؤلاء الناس من خلالها إلى التنبيه إلى المخاطر التي تحدق بكوكب الأرض من جراء أفعال الأرضيين من تلوث وحروب وأسلحة فتاكة.

فهل ينجح حنبعل المستنسخ فيما فشل فيه حنبعل التاريخ؟

قراءة الرواية تمكنك قارئي العزيز من معرفة الجواب على السؤال ومن التعرف على رجل غريب الأطوار والأفعال

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  _______________________________________________________________________

الدورة الثامنة لجوائز كومار للرواية التونسية
الكومار الذهبي للنص العربي للهادي ثابت والفرنسي لعلياء مبروك

بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للكتاب وتزامنا مع افتتاح الدورة الجديدة لمعرض تونس الدولي للكتاب انتظم مساء يوم الجمعة احتفال ثقافي احتضنه فضاء المسرح البلدي بالعاصمة تم خلاله تسليم الجوائز الادبية التي تسندها تأمينات كومار للمتوجين في مسابقة الرواية المكتوبة بالعربية والمكتوبة باللسان الفرنسي، هذه المسابقة التي انطلقت سنة 97 لا تقبل (كما جاء في الفصل الثاني من نظامها الداخلي) سوى الروايات المكتوبة من طرف تونسيين وتنشر هيئة التنظيم سنويا في وسائل الاعلام بلاغا بمعدل مرتين في السنة تضبط في كل منهما قائمة في ما بلغ علم اعضاء الهيئة من روايات متوفرة في السوق والتي صدرت خلال سنة واحدة وللكتاب حرية المشاركة او الامتناع عنها ايضا.
بداية الحفل كانت موسيقية حيث قدم الفنان عباس مقدم صحبة مجموعة من العازفين مجموعة من روائع الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب وعلى اثرها تداول على الكلمة رشيد بن جميع (ر.م.ع) تأمينات حياة المتفرعة عن المؤسسة الكبرى كومار واسماعيل خليل رئيس مجلس ادارة المؤسسة ذاتها مؤكدان عزم المؤسسة على مواصلة تنظيم هذه المسابقة التي تندرج في اطار دعم المؤسسة الاقتصادية الوطنية للانتاج الثقافي في بلادنا، وهو ما لقي ترحيبا في تقريري لجنتي التحكيم، حيث ابرزا دور هذه المسابقة في تحفيز الكتاب على الاستمرار في ابداع الاعمال الروائية فذكر محمود طرشونة رئيس لجنة تحكيم الكومار الذهبي باللغة العربية ان الروايات الاربع والعشرين التي وصلت اللجنة خلال سنة واحدة تعادل ما انتجه الكتاب التونسيون خلال عشرين سنة واشارت رابعة عبد الكافي رئيسة لجنة تحكيم الكومار الذهبي باللغة الفرنسية الى العودة القوية للرواية التونسية المكتوبة بالفرنسية اذ تلقت اللجنة خمس عشرة رواية خلال سنة واحدة وهو رقم دال في حد ذاته اذ قسناه بفترات ماضية لم تنشر فيها سوى اعمال قليلة. وفضلا عن ذلك اشاد التقريران بالمستوى الجيد الذي بلغته الاعمال الروائية التونسية وبمدى انشغال الكاتب التونسي بالقضايا والهواجس اليومية التي يفرزها الواقع التونسي ولانها مسابقة فان الاختيار على الاعمال المتوجة كان ضروريا كما ذكر طرشونة. جوائز الكومار الذهبي باللغة العربية اسندتها لجنة متكونة من محمود طرشونة رئيسا وزهرة الجلاصي وفوزية صفار ومحمد بن رجب وفوزي الزمرلي وقد كانت على هذا النحو:

- جائزة «النص الروائي البكر» اسندت الى الكاتبة حفيظة قارة بيبان عن روايتها «دروب الفرار» وقيمتها الف دينار تونسي.
- الجائزة الخاصة بلجنة التحكيم اسندت الى الكاتب حسونة المصباحي عن روايته «نوارة الدفلة» وقيمتها الفان وخمسمائة دينار.
- جائزة الكومار الذهبي باللغة العربية اسندت الى الهادي ثابت عن عمله الروائي «القرنفل لا يعيش في الصحراء» وقيمة هذه الجائزة خمسة آلاف دينار وتركبت لجنة التحكيم للكومار الذهبي بالفرنسية من رابعة عبد الكافي رئيسة وحمادي عباسي وانور عطية والبشير قربوج ورضا الكافي اعضاء وكانت جوائزها على هذا النحو:
- جائزة «النص الروائي البكر...» اسندت الى الكاتب عبد العزيز بلخوجة عن روايته «عودة الفيل» وقيمتها الف دينار.
- الجائزة الخاصة بلجنة التحكيم منحت الى الكاتبة صوفية القلي عن روايتها «عشتار في ولادة قرطاج» وقيمتها الفان وخمسمائة دينار.
- جائزة الكومار الذهبي حصلت عليها الكاتبة علياء مبروك عن عملها «الامير والصليبين».

هوامش
ـ تتويج رواية الهادي ثابت «القرنفل لا يعيش في الصحراء» بالكومار الذهبي للرواية المكتوبة بالعربية شكل مفاجأة سارة فبعد عملين روائيين في الخيال العلمي هما «غار الجن» و«جبل عليين» تحول الهادي ثابت الى رواية الخيال الاجتماعي واليومي احدهم علق مازحا «هذا دليل على استحالة كتابة رواية خيال علمي بلغة كفت منذ قرون عن انتاج العلم».
ـ اهدت حفيظة قارة بيبان حقوق بيع روايتها الصادرة عن دار سيراس الى اطفال الشهداء في فلسطين.
ـ برغم ان الاحتفال خاص بالرواية التونسية الا ان الكثير من الاعلاميين لاحظوا وفرة حضور الاطارات والعاملين بمؤسسة كومار مع غياب بارز لعديد الكتاب باستثناء اعضاء لجنتي التحكيم والروائي عبد الجبار العش، والشاعر عادل المعيزي والشاعر محمد السبوعي بصفته ناشر رواية حسونة المصباحي ومشاركا ايضا في المسابقة بروايته «متاهة اوساريس».

كمال الشيحاوي
الصحافة
25 - 04 - 2004

 ____________________________________________________________________________________________________________________

 


الرواية والفنون

-1-
بمدينة قابس التونسية عقد مركز الرواية العربية ندوته السنوية (الرواية العربية والفنون) أيام 10-11 و12 مارس 2006، وفاء منه لتقليد ثقافي انطلق منذ 1992 حيث يتداول النقاد والمبدعون قضايا الرواية العربية من زوايا متعددة. وقد رصدت لكلمة محمد الباردي (مدير المركز) في البداية هذا التوجه الذي تدعمه جهود الباحثين والأدباء داخل تونس وخارجها. عرفت الجلسة الأولى ثلاث مداخلات، وترأسها شعيب حليفي، وافتتحها كمال الزغباني (آداب صفاقس) بموضوع الرواية ونظام الفنون الجملية، منطلقا من المرجعيات الجمالية لهيجل في تحديد الفنون وتعبيراتها عن الفكر، ليخلص الباحث إلى اعتبار الرواية فن الفنون، متنقلا بعد تمهيدات نظرية إلى تحليل نموذجين من الرواية العربية، ثرثرة فوق النيل لنجيب محفوظ، ورواية الاسم والحضيض لفضيلة الشابي، فكل نص يحمل خطابات تشكل رؤيته مستفيدا من باقي الفنون، عبر الذهاب –في استثمارها- إلى ممكنات تلك الفنون.
عمر حفيظ –باحث تونسي- تدخل في موضوع (الرواية والشعر) متمثلا طرائق الروائي في استعمال الشعر بأساليب جديدة انطلاقا من اعتبار الكتابة – عموما- هي هدم بين الأنواع. وقد سعى عمر  حفيظ إلى اختبار فرضياته على ثلاثة نصوص روائية، )المستلبس( لنور الدين العدوي والذي يؤسس بلغة شاعرية لعلاقة حميمية بين الخطابين الشعري والروائي عبر توظيفة للشعر قناعا يخدم شخصية )أحمد العروس( وباقي وجوهه.
وفي رواية )النخاس( لصلاح الدين بوجاه يرصد الباحث نزوع الروائي المستمر إلى الهدم للغة والحدود الأجناسية، متخذا من أشعار رامبو، بودلير والفنان الشيخ العفريت سبيلا لبناء معاني جديدة ومتحركة ومتفاعلة. وختم عمر حفيظ مداخلته بتحليلات ضافية لرواية ابراهيم درغوثي )الدراويش يعودون من المنفى(.
وواصل من منظور نظري، محمد بن عياد )آداب صفاقس( الحفر في موضوع الرواية والشعر باحثا في طبيعة كل جنس ليستنتج مجموعة من أشكال التفاعلات : التفاعل التوحيدي، التفاعل الازدواجي، التفاعل الإقصائي ثم التفاعل التنافري.

-2-
في الجلسة الثانية التي رأسها محمد عبازة تدخلت رفيقة بن مراد )آداب صفاقس( ببحث )الرواية العربية من أسلوبية الكتابة الأسلوبية الإخراج( مدققة في المصطلحات والمفاهيم قبل الوقوف عند ملامح تحويل الرواية باعتبارها نصا لغويا إلى نص فرجوي يعتمد الصورة. وفي تحليلها لهذه العملية كانت رفيقة تربط الإبداع بالفلسفة وأبعاد التحويلات، وحول )ظواهر مسرحية في الرواية( وقف أحمد الجوة )آداب صفاقس( عند مفهوم الحوارية ممهدا بالتحليل للبعد المسرحي في بعض نصوص حنا مينة حين يغلب عليها الحوار والمناجاة مما يمنح النص الحناوي نفسا مسرحيا.
المداخلة الأخيرة في هذه الجلسة نحت نحو الشهادة للقاص والإعلامي ظافر ناجي :(النص من الأدبية إلى الصورة) باحثا بتدقيق من خلال تجربته العلاقة بين السيناريو وهو شكل تقني لكتابة تخييلية والرواية باعتبارها نصا لغويا وبلاغيا، كما تحدث عن تجربة المونتاج التي تنتج نصا أو نصوصا تخييلية عدة.
 
-3-
 وانطلقت الجلسة الثالثة من حيث انتهت الثانية بمداخلة الشريشي المعاشي (المغرب) بموضوع (الرواية العربية والسينما : بحث في علاقات التحويل والاقتباس) باسطا مجموعة من الأسئلة والمعيقات أثناء التحويل، عبر عدد من النماذج العربية من المغرب، تونس، مصر، وفلسطين... بالإضافة إلى نهجه مقاربة مقارناتية لهذا التحويل في الرواية/السينما العربية والعالمية.
كما تساءل محمد الجويلي عن الرواية والفن بين المساءلة الفلسفية والمقاربة الأنترويولوجية عن حدود العلاقة بين الرواية والتاريخ عارضا لمسار هذه العلاقة في نصوص عالمية ومن خلال تنظيرات هيجل ولوكاش وستراوس.
محي الدين حمدي سيعود إلى سؤال آخر حول الشعر في روايتي حبك درباني للبشير خريف ومدينة الشموس الدافئة لمحمد رجب الباردي كون الشعر نوعا مخصوصا من القول والرواية خطاب، كما أجاب الباحث عن ماهية حاجة الرواية إلى الشعر محللا النصين وتنوعهما الدلالي.
وحول اقتباس الرواية للمسرح بين محمد المسعدي كاتبا ومحمد ادريس مقتبسا ومخرجا، ركزت مداخلة محمد عبازة على الجوانب التقنية والأدبية التي تصاحب التحول من الرواية إلى المسرح مستشهدا برواية المسعدي )حدث أبو هريرة قال( والصياغة المسرحية لمحمد ادريس، وما رافق ذلك من مشاكل واختلافات.

-4-
الجلسة الرابعة والأخيرة والتي ترأسها محمد الباردي) مدير الندوة( عرفت أربع مداخلات افتتحها صلاح الدين بوجاه )روائي ورئيس اتحاد الكتاب التونسيين( ببحث من معمار الوكالة إلى معمار الرواية قراءة في رواية وكالة عطية للروائي المصري خيري شلبي، متطرقا إلى الاحتفاء الكبير بالمكان وكل مستلزماته في الرواية وهندستها والوظائف المرتبطة بها، كما تطرق إلى ملمح التشعب والتشتت في الرواية )المتاهة المنغلقة( وإيقاع الرواية الذي يمثل إيقاع مجتمع المهمشين.
شعيب حليفي )آداب الدار البيضاء/بنمسيك( قارب موضوع )الرواية والأفق المزدوج( من منظور فهم أسئلة الرواية وطبيعتها، وطبيعة السرد العربي القديم، في علاقتهما بكافة الأشكال والفنون، وأفق الرواية المنفتح على البحث عن شكل كلي للقول الإبداعي، من تم فهي تستثمر قدرتها هذه لتحويل الأشكال والفنون الأخرى وخضنها وبالتالي جعلها في خدمة دلالتها ورؤيتها الفنية.
وحول الكتابة الراسمة في الرواية العربية تحدث محمد الخبو عن ائتلاف المكاني )الرسم( بالزماني )الروائي( وعلاقات الفن التشكيل بالرواية قبل أن ينتقل إلى تحليلات على نص )جلسات الكرى لجمال الغيطاني( وبعض التمثيلات من نصوص أدوار الخراط.
آخر متدخل محمد نجيب العمامي استعاد سؤال علاقة/الرواية بالمسرح )المسرح في الرواية عند فرج الحوار( من خلال روايته )في مكتبي جثة( باحثا في هذه العلاقة من خلال بعض المكونات : الفصل، الحوار، المشهد، الإشارات الركحية. ثم محللا بعض خطابات الشخصيات الحوارية.

-5-
تخللت الجلسات الأربع، جلسات موازية للشهادات التي أدلى بها عدد من الروائيين التونسيين وهم : عبد الواحد ابراهم، محمد الجابلي، حافظ محفوظ، مسعوده بوبكر، ناصر التومي، عبد الجبار العش، الهادي ثابت، حسن بنعثمان، نور الدين العلوي، آمال مختار وفرج الحوار.
وقد تحدثوا جميعهم عن ملامح من تجاربهم الروائية وعلاقاتهم بالفنون مما يعكس رؤيتهم الجمالية. واختتمت هذه الندوة، في جو علمي ونقاش ممتد، وقد تم اقتراح مشروع الندوة المقبلة حول )أشكال تجلي العجائبي في الرواية المغاربية(.
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

   

   الخيال العلمي في الأدب العربي

 في إطار مقارباته النقدية لمحاور تشتغل على تجذير الوعي بقضايا أساسية في التنظير والإبداع العربيين، يقترح مختبر السرديات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بالدار البيضاء، ندوة في موضوع (الخيال العلمي في الأدب العربي). وذلك يوم 25 أبريل 2006، بمشاركة عدد من الباحثين المتخصصين والمبدعين.

وفي ما يلي الورقة التقديمية لهذه الندوة:
إذا كانت الكتابة وفق منطق الخيال العلمي، تجمع بين الغرابة والمعرفة، فإن البحث في تمظهراتها في الأدب العربي، يكون أكثر صعوبة، لأنه يواجه أسئلة وقضايا مفتوحة على تنظيرات غربية متعددة، ونصوص عربية قليلة..

يعرف الخيال العلمي تطورا ملحوظا ومتزايدا في العالم المتقدم وبعض الدول النامية مثل البرازيل والأرجنتين، ونقاشا متقدما يطال الخيال العلمي في الأدب والسينما والمسرح والفنون التشكيلية والهندسة المعمارية.. لدرجة أصبحت له خطوة لدى المقاولات الاقتصادية الكبرى ومراكز البحوث العلمية، بأمريكا خصوصا، حيث يتم اللجوء أحيانا إلى خدمات التخيل والإبداع لتنفيذها وتحويلها إلى واقع، كما أصبحت بعض التوجهات السياسية والعسكرية تعتمد على خيال كتاب الخيال العلمي لتحقيق خطط ومقترحات (الدرع الواقي وحرب النجوم في أمريكا في عهد الرئيس ريغان). الشيء الذي جعل الكتابة وفق منطق الخيال العلمي تصبح في أوربا وأمريكا من الأشكال التعبيرية الأكثر مقروئية وتواصلا مع المتلقي، بينما لا زالت النصوص العربية المكتوبة وفق هذا المنطق، نادرة.
انطلاقا من هذا الإدراك، ستحاول هذه الندوة الإجابة عن تلك الأسئلة:
- هل نمتلك وعيا بالخيال العلمي؟ ولماذا وجوده باهت، عربيا، على المستوى الأكاديمي؟ أو النصي؟ وكيف يمكن تفسير عدم انتشاره ؟
- ما هي الرؤية التي يدافع عنها، ويرصدها في علاقاته بالتاريخ والمجتمع، وبالراهن والمستقبل ؟
- ما هي أهم خصوصيات الخيال العلمي في أدبنا العربي ؟

انطلاقا من هذه الأسئلة يقترح مختبر السرديات عقد هذه الندوة من خلال ما سبق من محاور بالإضافة إلى التساؤلات التالية :
- الخيال العلمي : التصورات والرؤى.
- الخصوصيات الأدبية والثقافية للخيال العلمي العربي.
- دراسات وتحليلات في نماذج من النصوص السردية العربية للكتاب الآتية أسماؤهم : رؤوف وصفي، أحمد عبد السلام البقالي، طيبة أحمد الإبراهيم، طالب عمران، موسى ولد ابنو، نهاد شريف، مصطفى الكيلاني، عبد الرحيم بهير والهادي ثابت ...

يرجى ممن يرغب المشاركة في هذه الندوة  من الباحثين والنقاد والكتاب المهتمين بالموضوع، إرسال سيرتهم العلمية مع عنوان وملخص البحث قبل 30 مارس 2006 إلى اللجنة التنظيمية للندوة على العنوان التالي :
مختبر السر ديات، كلية الآداب بنمسيك حي البركة الدار البيضاء .

الفاكس : 022705100
أو على العنوان الالكتروني :

penmaroc@yahoo.fr
 

Le Palmarès des COMAR d'OR

Edition 2005


Les lauréats du COMAR d'OR 2005

  Pour la première fois, la cérémonie de remise des prix a été organisée sous forme de soirée répartie en trois parties (prélude musical "découverte", remise des prix et "Tarab". Les romans en compétition étaient au nombre de 29, 10 en langue française et 19 en langue arabe.

Prix Lauréat Oeuvre
  COMAR D'OR (Arabe) 

التاريخ: 04/08/2009 @ 13:10
آخر تغيير 04/08/2009 @ 13:10
نوع: ما نشر عن الهادي ثابت
صفحة مشاهدة 415 مرات


استعراض استعراض     طباعة الصفحة طباعة الصفحة


react.gifإجابات عن هذه المقالة


ليس هناك أي تعليق



^ أعلى ^