.
القرنفل والصحراء
لعبد الواحد براهم
يحمل الأستاذ محفظته وأفكاره التقدّمية، ويغادر العاصمة إلى قابس لتدريس الفلسفة في معهد فتيات، ولبثّ ما يعتقده صائبا من شؤون الكون والحياة في عقولهنّ الغضّة. يحصل ارتباك في الغدير الراكد، وتعيش المدينة حالة غليان غير معهود، بسبب وجوده، وبسبب ظروف أخرى من بينها نادي السينما الجديد والمعاونون الفرنسيون، وخريجو الجامعة الجديدة. في هذا الجوّ تجنّ إحدى الفتيات بأستاذها الجديد، فترتمي في أحضانه، متحدّية العوائق ومعلنة الثورة على كل شيء. وتنتقل التلميذة العاشقة للدراسة في باريس، بينما يعود الأستاذ إلى العاصمة تسترده العائلة لتوجهه وجهة تلائمها وتلائمه، فيفترق مصير الأستاذ وتلميذته، وينقطع التواصل لكن تبقى جذوة الحبّ الذي ألهبهما قبل عشر سنوات.
وتمضي الرواية عارضة علينا أطوار حياة لم ينل فيها لا الأستاذ ولا التلميذة مبتغاهما، حياة استقرا فيها بدون رضى، ولكن اتقاء لعثرات الطريق، هذه الطريق التي لا تأخذك إلى الأعلى، ولا إلى الأسفل، لا إلى الأمام، ولا إلى الخلف ... طريق الحياة المؤقتة والنهائية في آن واحد. حيث تغدو الأحلام مؤجّلة دائما، إلى أن "تتكرمش" وتغطيها التجاعيد دافعة بها نحو المحي والنسيان.
هل من منفذ للخروج من هذه الحلقة؟
أما الأستاذ فقد وجد الحل النهائي بعد يأسه من حياة لا تقود إلى هدف: ترجّل من الطابق العاشر وانتحر. أما التلميذة فقالت: "أنا سعيدة بحياتي ولا أرغب في تبديلها" (ص 186)، واكتفت بسماء "نانتار" الرمادية وشوارعها المقفرة، وبأحلام الأخوة الإنسانية، وتدريس البربرية، وحضور حفلات الرفاق يقيمونها في قصور الأثرياء. تبتسم للجميع وتتسلى بالبكاء في البيت على أريكة "ميشال" القديمة، حين يهتاج فيها الحنين.
هذه أهم عناصر الرواية منظور إليها بعيني مؤلف "سواسنتويتار" (أي للأحاث الطلابية لماي 1968) عاش في قابس أثناء غليانها، وعاش في باريس بعد انتهاء غليانها. وخزن من كليهما تجربة فريدة ظلّت كامنة في النفس الواعية إلى أن رأى الكاتب – في لحظة استقراء للذات وتساؤل أمام مشكل الهوية – أنّ الوقت حان لتفجير اللحظة المحتقنة، وبعثرة ذلك الزمان المخزون في نص يقاوم النسيان بالحفر في أركيلوجيا الذات ووضعها أمام مرآة القراءة المتجددة.
بداية الصدام
إنّ العلامة اللغوية خادعة أحيانا، وبعض الكلمات أصبحت أشباحا باهتة للموجودات. ضاق المتخيّل بالكلمات فأسكنها روح الرمز، ليخلق بالاستعارة انزياح الدّوالّ عن مدلولاتها، ويكون هو الصانع لمكانه الرمزي.
ولنبدأ بالعنوان، فهو نقطة التماس الأولى، ومنه تبدأ المواجهة، ويبدا التساؤل. العنوان مفتاح تأويلي – كما يقول أمبرتو إيكو - لذا سنأخذه مفتاحا وجسرا لمعاني النص الدفينة، من خلال الربط بين العنوان وسائر نسيج النص عبر رموزه التأويلية المبثوثة في الثنايا. "القرنفل لا يعيش في الصحراء". عن أي قرنفل يتحدث الكاتب، وعن أي صحراء؟ وما علاقة هذا بتلك؟
في العنوان اسمان يفصلهما فعل منفي بلا، وهو فعل يجوز حذفه كما عند عبد الرحمان الربيعي في "القمر والأسوار" وعند الطاهر وطار في "الحوات والقصر". كلا الاسمين يحيل على معان أوّلية، بعضها حقيقي وبعضها مجازي. فالقرنفل زهرة فواحة ذات ألوان وردية وحمراء وبيضاء أو مزوّقة بالثلاثة معا. رقيقة العود ومحتاجة دوما إلى الماء والتشذيب والمراوحة بين الظل والشمس، فمكانها الطبيعي محبس أنيق أو بستان رشيق. وهو رمز اتخذته بعض الأحزاب اليسارية لنبله ولونه، وسمّت بعض انتفاضاته باسمه.
وقد عمل الكاتب على توجيه القارئ نحو هذا المنحى منذ تخوم النص الأولى: "لم تكن عارم جسدا فحسب ولا لذّة فحسب، بل كانت فكرا أيضا. كان جسدها ينطق بتفكيرها، وفعلها يكتب تسلسل مراحل نظريتها، وحركتها تعبّر عن مدى تطلّعها للانعتاق من براثن الثقافة المهيمنة. كان حبّها سموا، ولم تكن تنشد متعة الجسد والحسّ فحسب، بل كانت تريد متعة العقل أيضا."
حضرت هنا معاني الحرية والانعتاق من كل الهيمنات واضحة ولصيقة بشخصية البطلة، حتى صار من الطبيعي أن تأبى العيش في بيئتها الأصلية لما فيها من وحشة وقحل وأمحال، وأوحى لنا حضور تلك المعاني – مع نقدّم النص – زهرة القرنفل المتمثّلة في عارم لا شأن لها بذلك المكان ولا بذلك المناخ، وأن عليها البحث في مكان آخر أرحم بها وأكثر استجابة لطموحاتها. لقد انبرى التناقض الظاهر في العنوان لصنع المعنى العميق المقصود وهو عدم انسجام عارم مع بيئتها، وثورتها على ثقافتها التقليدية، وتنكّرها لبلدها وكل ما فيه، إذ صار الجميع يمثّلون في نظرها صحراء جرداء. لا تنبت زرعا ولا تمل ضرعا.
أستاذ الفلسفة "علي" هو أيضا من فصيلة القرنفل الذي يختنق في الصحراء، ولذا كره قابس وسحب الرمال الحمراء التي تخنق أنفاسها "كانت مدينة قابس قد طبعت تلك الفترة من حياته، فرغم جمال واحتها، وانتشار البحر من حولها، وبشاشة أهلها، لم يحبّ تلك المدينة أبدا، ومنذ أن غادرها آخر مرة يوم 30 جوان 1975 لم يعد إليها أبدا" ( ص 105 ). كما لاحظت عائلته تغيّر أحواله وتعكّر مزاجه "بعد أن قضى عاما على مشارف الصحراء" ( ص 121 ) فهو أيضا مثل عارم في صحراء أو ما يشبهها، وليس هذا هو المكان المناسب لراحة نفسه وتحقيق طموحاته.
حقل الرموز
صار القرنفل في مواجهة مع المحيط وهو الصحراء، وهي كلمة تحيل على منطقة شاسعة تحدّها البلدان المغاربية وتمتدّ إلى دلتا النيل وشاطئ البحر الأحمر شرقا، وتمرّ بفيافي السودان إلى غاية المحيط الأطلسي غربا. ومساحتها 4 ملايين كيلومتر. "هذه الأرض لا تنبت حباّ. ( ص 136 ). بل نكاد نقول لا تسمح بالتنفّس. فكان لا بدّ من الرفض والتحدّي، وأصبح القرنفل والصحراء يحيلان على مواجهة محتومة: القرنفل يريد أن ينمو ويعيش، والصحراء تمنعه من الحياة ... فتخنقه وتضيّق عليه "مجتمع منغلق ومحافظ" ( ص 89 ). "لا يؤمن بالحرية لا للإنسان بصفة عامة ولا للمرأة بصفة خاصة" ( ص 96 ). " مجتمع منغلق تشعر به يكبّلها" ( ص 109 ).
لم نكن بحاجة إلى الفعل المنفي "لايعيش" لندرك قوّة الصراع الذي دار بين طرفي الصراع المتمثلين من جهة في "ماض متقلّب مشحون بحرارة لافحة، وصراعات حادة" ( ص 14 ). ماض "مكفهر مغبرّ كعاصفة الرّمل" ( ص 15 ). ماض يذكّر عارم بمدينتها المغمورة "بثقافة الزيف والاستهلاك". مدينتها التي "تنمي التقسيم الوظائفي بين المرأة والرجل، فهذا عليه إظهار فحولته، وتلك لا بدّ أن تخفي أنوثتها" ( ص 124 ). وتتمثل من جهة أخرى في الحاضر السعيد الذي قالت عنه: "الحاصر جميل وهادئ وسلس كالماء الرقراق في جدول بين حنايا الجبل". "شعرت أنّها انتقلت من المكان ومن الزمان إلى رحاب الإنسانية التي لا تعترف إلا بالحبّ قيمة تجمع بين أفرادها" ( ص 178 ).
"جلست عارم في شرفة تتفرّج على مدينة "نانتار". هذه أولى جمل الرواية، ومنها يبدأ حقل الرموز. فالعارم هو اسم امرأة ننتظر منه أن يحيلنا على الأنوثة والرقة والحسن، لكننا نجده يحل معجميا على وصف الشدّة، ويوصف الرجل العارم على أنه الشرس الذي لا يهاب، وقد سمى به أحد القدامى فرسه، ومنه تفسير سيل العرم بالوادي يحدثه المطر الشديد، وهذا إيحاء بما نحن مقدمون عليه من ثورة الصبيّة وإقدامها على قرارات حادّة باترة قاطعة. فأهلها "قطعت صلتها بهم منذ أن ماتت أمّها" ( ص( 12 ).، "ولم يعد يربطها بالوطن أيّ صلة" ( ص 43 ) فهي "تسخط على الدنيا" قائلة: "أحداث بعثرت حياتي، وتركتني أدير ظهري لكل ما له اتصال بماضيّ. ماتت أمي، وقسا عليّ أهلي، وغضبت إلى حدّ الجنون. وجدت نفسي غريبة في بلادي، وانسدّت كلّ آفق أرى من خلالها مستقبلي، فقررت فجأة أن أقطع كل صلة بوطني، وكان هو (أي المحبوب) من جملة الأشياء التي دفنتها ..." ( ص 46 )
أما مدينة "نانتار" هذه الضاحية الباريسية الهادئة التي لا يتجاوز سكانها السبعين ألف نسمة فقد شهدت عام 68 أكبر التظاهرات الطلابية وكانت أشهر ملتقى لمتزعّمي فوْرات احتجاجية كادت تقلب نظام فرنسا، وربما أوروبا بكاملها.
فهل من باب الصّدفة أن تختار طالبة ثائرة ورفيقها الشيوعي السكنى في مدينة "نانتار" ذات الماضي الثوري ؟
ليكن ...
لكن هل هي صدفة أخرى أن تسكن في شارع "جان جوراس" الزعيم الاشتراكي بعد انتقالها إليه من شارع النقابي التونسي "محمد على الحامي" بقابس ؟
لقد بدأنا نتوغّل في حقل المفاهيم المزدوجة ولا بدّ لنا من قراءة تأويلية لإدراك ما تشير إليه الرموز، وهي ستكون جدّية وإيجابية أحيانا، وفي أحيان أخرى قد تقصد السخرية وتعني نقيض المعنى الأصلي للعبارة، كما نشاهد على بطاقة "علي": "شركة بن فاطمة الشريف لتصدير وتوريد الخمور" ( ص 107 ). أو "الماضي ينير المستقبل" ( ص 45 ) ونحن نعرف أنه يزيده ظلاما.
أما "علي" فاسمه يحيل على علية القوم، فهو سليل عائلة برجوازية تسكن المرسى، أحبّ الفلسفة وذهب يدرّسها في الجنوب، لكن سرعان ما استعادته العائلة إلى أحضانها، وزوجته، ودفعته إلى عالم المال والأعمال. وها هو يتنقل في الدرجة الأولى بين باريس وأمستردام، وينزل في فندق الجنة ( أنظروا هذا أيضا )، ويطالع جريدة "لومند"، وحذاؤه إيطالي لمّاع. تكلّست أحاسيسه، وتخلص من دوافعه الأخلاقية – كما أوصاه صهره – "حتى الفتاة التي راقه صدرها العاري وصوتها الدافئ، لن تترك في مخيلته شيئا يحنّ إليه. كانت لذيذة كالخمر، كالطعام، كالجبن، كقطعة الحلوى، ملأت حياته فترة من الزمن وانتهت" ( ص 27 ). وهو كلما سئل عن السياسة ، "أجاب مراوغا" ( ص 29 )، وكلما سئل عن الأعمال "أجاب باقتضاب" ( ص 29 ).
ولا ينجو مبنى الأوبرا من الرمز إلى الذوق البرجوازي الذي افقد الفن عفويته، وكيف أن هذا الذوق نفسه فرّخ جيلا من المسارح كثيرة التناسق "لكن ينقصه الضرف والتلقائية". ويقابل "علي" بنتا جميلة تعجبه ويدعوها إلى العشاء، ولكنه يجدها منظّمة جدّا، كثيرة التناسق في القول والأفعال، " ... ربما هي أيضا من أحفاد هذه البرجوازية المهيمنة" ( ص 35 )
يا بحر هل فيك سرّ
شكّل البحر موضوعا مكرّرا داخل الرواية، فاقترن بأحداث وحالات نفسية متنوّعة أبرزت ما يزخر به من غنى دلاليّ، خاصة وقد أفرده الكاتب بمقاطع وصفية أربعة نمثّل لها بهذا: "لامست رجلاه مياه البحر. أحسّ بدفء الماء، شعر كأنه يصافح صديقا غاب عنه سنين. نظر إلى الامتداد الأزرق الشاسع أمامه، وتنشق عبق الرطوبة المالحة، وامتلأت أذناه بخرير خفيف آت من أعماق الكون، وانطلق في دماغه شريط الصور، ساح خياله إلى الخليج الجنوبي، فانبثقت صور لا ترى بالعين، لكنها مليئة بالحركة والحياة" ( ص 103 ).
هكذا أسهمت وظيفة البحر الجمالية – سواء من خلال الألوان والمساحات والتقاطعات – في إنجاز لوحة أو ربما لوحات تشكيلية، كما أعطى الوصف لعالم البحر بعدا عجائبيا من خلال إضفاء صفات إنسانية عليه، وإذا به يتحوّل من إطاره الطبيعي إلى إنجاز وظائف مختلفة داخل العالم الروائي: "شعرت كأني الرضيع في حضن أمه"، هذا ما قالت عارم عندما غطست في بحر قرقنة، بل أكثر من هذا أحست بكل من حولها ينشد متعة الحياة، كأنه جوقة منشدين تهلّل للوجود متناغمين مع سعادتها ( ص 91 ). وأحسّت أحيانا وكأن البحر رقيب يتطفّل عليها يضحك منها يشوّش عليها أفكارها. وهذا "علي" بدوره "كان مشهد البحر تتدحرج فوق صفحته الأمواج يثير حنينه ويدفعه إلى أن يحلم بالسفر إلى أصقاع الدنيا، وإليها – حبيبته – ليلقاها" ( ص 103 ). وكذا الأمر عند جلوسه قرب خليج قمّرت باحثا عن الطهر والراحة: "اسلم نفسه لروعة الطبيعة وكأنه يغتسل من القذارة التي كانت تكسوه" ( ص 106 ).
إنه البحر ... ذلك الفضاء المتعدّد الغني بالدلالات، لم يجد الكاتب أفضل منه تعدّدا – قرقنة، خليج قابس، خليج الحمامات، خليج قمّرت – ولا تنوّعا – بين الثورة والهدوء – ليحمّله خصائص الشخصيات النفسية والإيديولوجية، وشكّل متنفّسا لها، وحيّزا لاستيعاب معاناتها وإحباطاتها.. هكذا مثّل البحر هنا ذلك المدى الذي تتوق إليه الذات بحثا عن الخلاص والنقاء، وجسّم النقيض المباين لاضطرابات المجتمع وتناقضاته وما ينجم عنها من معاناة.
وتبقى الغربة
تنفتح الرواية من آخرها، حيث نرى عارم تعيش سعيدة في شقتها " بنانتار". ثم تعود إلى قابس عن طريق الصور القديمة، ثم تنثني عائدة إلى إناء الكسكسي تعدّه لصاحبها "ميشال" لتقارن بين بخاره وبخار الزمن. عودة أخرى إلى الطفولة وهي تتساءل: "لماذا كل هذا الحنين إلى الوطن البعيد ؟". "علي"، وهو في باريس، يدير أعماله بحذق، و"يتحاشى أيضا النظر في الماضي يريد دفن حياته في الحاضر" ( ص 30 ). لكن هذا الماضي يخرج عليه فجأة، ويثير كوامن نفسه وجروحها القديمة، فتعود به الذكرى إلى قابس.
هكذا تمضي الرواية كلها مراوحة بين الأمكنة في تمازج لطيف، لا يصدم ولا يحدث هزّات، فالمفاجآت غير كثيرة، وحتى لما تحدث يكون الكاتب قد هيّأنا لها كما يجب، كما فعل في وصف حال "علي" وهو يفرغ إحباطه في المسكرات، والإكثار من زيارة المقابر، قبل إقدامه على الانتحار. وبهذا يصدق القول على هذه الرواية بأنها لم توضع لتكون وعاء لأحداث، بقدر ما وضعت لتكون وعيا بأسباب تلك الأحداث، وأسئلة متواترة في منطق الظاهر ومنطق الباطن الذي يتحكّم فيها. لذا فهي" رواية مواقف"، "لا رواية أحداث" أو تحليل طباع، كما يحلّل ذلك ميلان كونديرا، لأن الصراع فيها ليس بين إنسان وآخر، بل مع العالم، والعناصر غير المرئية المتحكمة فيه.
من أول وهلة يبدو الكاتب شبه منحاز لبعض الملامح والأفكار البارزة في روايته، وإلا ما كان عنوانه بتلك اليقينية، لكننا بتدقيق النظر سنراه على العكس من ذلك حائرا مترددا كثير الشكوك، يبذر الالتباس، وتحتضن روايته التعدد في الآراء، وتضع النقيض بجنب النقيض، من دون التحيز لوجهة نظر وحيدة.
هو يعلم أن العالم ليس بمثل هذا الوضوح الذي تخيلته عارم: نصف جنة ونصف جحيم، أو الذي تصوّره "علي" في شقّ: خضرة وماء ووجه حسن، وفي شقّ صحراء ووحوش وأفاعي. كما يعرف أن لا وجود لطوائف تناسلتها الملائكة، وأخرى من نسل الشياطين، فالعالم مزيج رجراج، وبحر يلامس كل الشواطئ، وصدق شاعر قال:
مثلك الكون والزمان فلا تسبّ مكانا ولا تذمّ زمانا
وانظروا كيف عارم في أوج أزمتها تتساءل، و"تبحث عن وجودها في هذا المجتمع الذي حشرت نفسها فيه، والذي سمح لها بأخذ مكان يرفضه لها البعض بشفونية وعنصرية، ويقبله البعض باسم الحرية والمساواة بين أفراد المجتمع في ظل احترام القانون، ويشجّعها عليه الشق الآخر باسم العالمية الشيوعية التي تدعو في طوباويتها إلى جمع الجنس البشري في دولة واحدة وقوانين واحدة وعدالة واحدة. والواقع الذي تعيشه ليس بكل هذا الوضوح النظري: تشابكات، وصراعات، وحقائق تعمّق شعور الغربة الذي يستولي عليها من حين لآخر. فأثناء تلك الفترة من الوعي المتذبذب كان سؤال واحد يهزّ كيانها، ينغّص عليها حبّها للحياة في بلاد التناقضات الفاضحة: من أكون ؟" ( ص 156-153 ).
كشفت هذه الرواية الجيّدة عن منطقة من الوجود ربما كانت مجهولة لدى الكثيرين من جيل اليوم، وربما قد تنفعهم – كما يقول كنديرا أيضا – كأداة مقاومة، لعالم عوّضت فيه الغباوة التجارية، الغباوة الإديولوجية".
القرنفل والصحراء
لعبد الواحد براهم
يحمل الأستاذ محفظته وأفكاره التقدّمية، ويغادر العاصمة إلى قابس لتدريس الفلسفة في معهد فتيات، ولبثّ ما يعتقده صائبا من شؤون الكون والحياة في عقولهنّ الغضّة. يحصل ارتباك في الغدير الراكد، وتعيش المدينة حالة غليان غير معهود، بسبب وجوده، وبسبب ظروف أخرى من بينها نادي السينما الجديد والمعاونون الفرنسيون، وخريجو الجامعة الجديدة. في هذا الجوّ تجنّ إحدى الفتيات بأستاذها الجديد، فترتمي في أحضانه، متحدّية العوائق ومعلنة الثورة على كل شيء. وتنتقل التلميذة العاشقة للدراسة في باريس، بينما يعود الأستاذ إلى العاصمة تسترده العائلة لتوجهه وجهة تلائمها وتلائمه، فيفترق مصير الأستاذ وتلميذته، وينقطع التواصل لكن تبقى جذوة الحبّ الذي ألهبهما قبل عشر سنوات.
وتمضي الرواية عارضة علينا أطوار حياة لم ينل فيها لا الأستاذ ولا التلميذة مبتغاهما، حياة استقرا فيها بدون رضى، ولكن اتقاء لعثرات الطريق، هذه الطريق التي لا تأخذك إلى الأعلى، ولا إلى الأسفل، لا إلى الأمام، ولا إلى الخلف ... طريق الحياة المؤقتة والنهائية في آن واحد. حيث تغدو الأحلام مؤجّلة دائما، إلى أن "تتكرمش" وتغطيها التجاعيد دافعة بها نحو المحي والنسيان.
هل من منفذ للخروج من هذه الحلقة؟
أما الأستاذ فقد وجد الحل النهائي بعد يأسه من حياة لا تقود إلى هدف: ترجّل من الطابق العاشر وانتحر. أما التلميذة فقالت: "أنا سعيدة بحياتي ولا أرغب في تبديلها" (ص 186)، واكتفت بسماء "نانتار" الرمادية وشوارعها المقفرة، وبأحلام الأخوة الإنسانية، وتدريس البربرية، وحضور حفلات الرفاق يقيمونها في قصور الأثرياء. تبتسم للجميع وتتسلى بالبكاء في البيت على أريكة "ميشال" القديمة، حين يهتاج فيها الحنين.
هذه أهم عناصر الرواية منظور إليها بعيني مؤلف "سواسنتويتار" (أي للأحاث الطلابية لماي 1968) عاش في قابس أثناء غليانها، وعاش في باريس بعد انتهاء غليانها. وخزن من كليهما تجربة فريدة ظلّت كامنة في النفس الواعية إلى أن رأى الكاتب – في لحظة استقراء للذات وتساؤل أمام مشكل الهوية – أنّ الوقت حان لتفجير اللحظة المحتقنة، وبعثرة ذلك الزمان المخزون في نص يقاوم النسيان بالحفر في أركيلوجيا الذات ووضعها أمام مرآة القراءة المتجددة.
بداية الصدام
إنّ العلامة اللغوية خادعة أحيانا، وبعض الكلمات أصبحت أشباحا باهتة للموجودات. ضاق المتخيّل بالكلمات فأسكنها روح الرمز، ليخلق بالاستعارة انزياح الدّوالّ عن مدلولاتها، ويكون هو الصانع لمكانه الرمزي.
ولنبدأ بالعنوان، فهو نقطة التماس الأولى، ومنه تبدأ المواجهة، ويبدا التساؤل. العنوان مفتاح تأويلي – كما يقول أمبرتو إيكو - لذا سنأخذه مفتاحا وجسرا لمعاني النص الدفينة، من خلال الربط بين العنوان وسائر نسيج النص عبر رموزه التأويلية المبثوثة في الثنايا. "القرنفل لا يعيش في الصحراء". عن أي قرنفل يتحدث الكاتب، وعن أي صحراء؟ وما علاقة هذا بتلك؟
في العنوان اسمان يفصلهما فعل منفي بلا، وهو فعل يجوز حذفه كما عند عبد الرحمان الربيعي في "القمر والأسوار" وعند الطاهر وطار في "الحوات والقصر". كلا الاسمين يحيل على معان أوّلية، بعضها حقيقي وبعضها مجازي. فالقرنفل زهرة فواحة ذات ألوان وردية وحمراء وبيضاء أو مزوّقة بالثلاثة معا. رقيقة العود ومحتاجة دوما إلى الماء والتشذيب والمراوحة بين الظل والشمس، فمكانها الطبيعي محبس أنيق أو بستان رشيق. وهو رمز اتخذته بعض الأحزاب اليسارية لنبله ولونه، وسمّت بعض انتفاضاته باسمه.
وقد عمل الكاتب على توجيه القارئ نحو هذا المنحى منذ تخوم النص الأولى: "لم تكن عارم جسدا فحسب ولا لذّة فحسب، بل كانت فكرا أيضا. كان جسدها ينطق بتفكيرها، وفعلها يكتب تسلسل مراحل نظريتها، وحركتها تعبّر عن مدى تطلّعها للانعتاق من براثن الثقافة المهيمنة. كان حبّها سموا، ولم تكن تنشد متعة الجسد والحسّ فحسب، بل كانت تريد متعة العقل أيضا."
حضرت هنا معاني الحرية والانعتاق من كل الهيمنات واضحة ولصيقة بشخصية البطلة، حتى صار من الطبيعي أن تأبى العيش في بيئتها الأصلية لما فيها من وحشة وقحل وأمحال، وأوحى لنا حضور تلك المعاني – مع نقدّم النص – زهرة القرنفل المتمثّلة في عارم لا شأن لها بذلك المكان ولا بذلك المناخ، وأن عليها البحث في مكان آخر أرحم بها وأكثر استجابة لطموحاتها. لقد انبرى التناقض الظاهر في العنوان لصنع المعنى العميق المقصود وهو عدم انسجام عارم مع بيئتها، وثورتها على ثقافتها التقليدية، وتنكّرها لبلدها وكل ما فيه، إذ صار الجميع يمثّلون في نظرها صحراء جرداء. لا تنبت زرعا ولا تمل ضرعا.
أستاذ الفلسفة "علي" هو أيضا من فصيلة القرنفل الذي يختنق في الصحراء، ولذا كره قابس وسحب الرمال الحمراء التي تخنق أنفاسها "كانت مدينة قابس قد طبعت تلك الفترة من حياته، فرغم جمال واحتها، وانتشار البحر من حولها، وبشاشة أهلها، لم يحبّ تلك المدينة أبدا، ومنذ أن غادرها آخر مرة يوم 30 جوان 1975 لم يعد إليها أبدا" ( ص 105 ). كما لاحظت عائلته تغيّر أحواله وتعكّر مزاجه "بعد أن قضى عاما على مشارف الصحراء" ( ص 121 ) فهو أيضا مثل عارم في صحراء أو ما يشبهها، وليس هذا هو المكان المناسب لراحة نفسه وتحقيق طموحاته.
حقل الرموز
صار القرنفل في مواجهة مع المحيط وهو الصحراء، وهي كلمة تحيل على منطقة شاسعة تحدّها البلدان المغاربية وتمتدّ إلى دلتا النيل وشاطئ البحر الأحمر شرقا، وتمرّ بفيافي السودان إلى غاية المحيط الأطلسي غربا. ومساحتها 4 ملايين كيلومتر. "هذه الأرض لا تنبت حباّ. ( ص 136 ). بل نكاد نقول لا تسمح بالتنفّس. فكان لا بدّ من الرفض والتحدّي، وأصبح القرنفل والصحراء يحيلان على مواجهة محتومة: القرنفل يريد أن ينمو ويعيش، والصحراء تمنعه من الحياة ... فتخنقه وتضيّق عليه "مجتمع منغلق ومحافظ" ( ص 89 ). "لا يؤمن بالحرية لا للإنسان بصفة عامة ولا للمرأة بصفة خاصة" ( ص 96 ). " مجتمع منغلق تشعر به يكبّلها" ( ص 109 ).
لم نكن بحاجة إلى الفعل المنفي "لايعيش" لندرك قوّة الصراع الذي دار بين طرفي الصراع المتمثلين من جهة في "ماض متقلّب مشحون بحرارة لافحة، وصراعات حادة" ( ص 14 ). ماض "مكفهر مغبرّ كعاصفة الرّمل" ( ص 15 ). ماض يذكّر عارم بمدينتها المغمورة "بثقافة الزيف والاستهلاك". مدينتها التي "تنمي التقسيم الوظائفي بين المرأة والرجل، فهذا عليه إظهار فحولته، وتلك لا بدّ أن تخفي أنوثتها" ( ص 124 ). وتتمثل من جهة أخرى في الحاضر السعيد الذي قالت عنه: "الحاصر جميل وهادئ وسلس كالماء الرقراق في جدول بين حنايا الجبل". "شعرت أنّها انتقلت من المكان ومن الزمان إلى رحاب الإنسانية التي لا تعترف إلا بالحبّ قيمة تجمع بين أفرادها" ( ص 178 ).
"جلست عارم في شرفة تتفرّج على مدينة "نانتار". هذه أولى جمل الرواية، ومنها يبدأ حقل الرموز. فالعارم هو اسم امرأة ننتظر منه أن يحيلنا على الأنوثة والرقة والحسن، لكننا نجده يحل معجميا على وصف الشدّة، ويوصف الرجل العارم على أنه الشرس الذي لا يهاب، وقد سمى به أحد القدامى فرسه، ومنه تفسير سيل العرم بالوادي يحدثه المطر الشديد، وهذا إيحاء بما نحن مقدمون عليه من ثورة الصبيّة وإقدامها على قرارات حادّة باترة قاطعة. فأهلها "قطعت صلتها بهم منذ أن ماتت أمّها" ( ص( 12 ).، "ولم يعد يربطها بالوطن أيّ صلة" ( ص 43 ) فهي "تسخط على الدنيا" قائلة: "أحداث بعثرت حياتي، وتركتني أدير ظهري لكل ما له اتصال بماضيّ. ماتت أمي، وقسا عليّ أهلي، وغضبت إلى حدّ الجنون. وجدت نفسي غريبة في بلادي، وانسدّت كلّ آفق أرى من خلالها مستقبلي، فقررت فجأة أن أقطع كل صلة بوطني، وكان هو (أي المحبوب) من جملة الأشياء التي دفنتها ..." ( ص 46 )
أما مدينة "نانتار" هذه الضاحية الباريسية الهادئة التي لا يتجاوز سكانها السبعين ألف نسمة فقد شهدت عام 68 أكبر التظاهرات الطلابية وكانت أشهر ملتقى لمتزعّمي فوْرات احتجاجية كادت تقلب نظام فرنسا، وربما أوروبا بكاملها.
فهل من باب الصّدفة أن تختار طالبة ثائرة ورفيقها الشيوعي السكنى في مدينة "نانتار" ذات الماضي الثوري ؟
ليكن ...
لكن هل هي صدفة أخرى أن تسكن في شارع "جان جوراس" الزعيم الاشتراكي بعد انتقالها إليه من شارع النقابي التونسي "محمد على الحامي" بقابس ؟
لقد بدأنا نتوغّل في حقل المفاهيم المزدوجة ولا بدّ لنا من قراءة تأويلية لإدراك ما تشير إليه الرموز، وهي ستكون جدّية وإيجابية أحيانا، وفي أحيان أخرى قد تقصد السخرية وتعني نقيض المعنى الأصلي للعبارة، كما نشاهد على بطاقة "علي": "شركة بن فاطمة الشريف لتصدير وتوريد الخمور" ( ص 107 ). أو "الماضي ينير المستقبل" ( ص 45 ) ونحن نعرف أنه يزيده ظلاما.
أما "علي" فاسمه يحيل على علية القوم، فهو سليل عائلة برجوازية تسكن المرسى، أحبّ الفلسفة وذهب يدرّسها في الجنوب، لكن سرعان ما استعادته العائلة إلى أحضانها، وزوجته، ودفعته إلى عالم المال والأعمال. وها هو يتنقل في الدرجة الأولى بين باريس وأمستردام، وينزل في فندق الجنة ( أنظروا هذا أيضا )، ويطالع جريدة "لومند"، وحذاؤه إيطالي لمّاع. تكلّست أحاسيسه، وتخلص من دوافعه الأخلاقية – كما أوصاه صهره – "حتى الفتاة التي راقه صدرها العاري وصوتها الدافئ، لن تترك في مخيلته شيئا يحنّ إليه. كانت لذيذة كالخمر، كالطعام، كالجبن، كقطعة الحلوى، ملأت حياته فترة من الزمن وانتهت" ( ص 27 ). وهو كلما سئل عن السياسة ، "أجاب مراوغا" ( ص 29 )، وكلما سئل عن الأعمال "أجاب باقتضاب" ( ص 29 ).
ولا ينجو مبنى الأوبرا من الرمز إلى الذوق البرجوازي الذي افقد الفن عفويته، وكيف أن هذا الذوق نفسه فرّخ جيلا من المسارح كثيرة التناسق "لكن ينقصه الضرف والتلقائية". ويقابل "علي" بنتا جميلة تعجبه ويدعوها إلى العشاء، ولكنه يجدها منظّمة جدّا، كثيرة التناسق في القول والأفعال، " ... ربما هي أيضا من أحفاد هذه البرجوازية المهيمنة" ( ص 35 )
يا بحر هل فيك سرّ
شكّل البحر موضوعا مكرّرا داخل الرواية، فاقترن بأحداث وحالات نفسية متنوّعة أبرزت ما يزخر به من غنى دلاليّ، خاصة وقد أفرده الكاتب بمقاطع وصفية أربعة نمثّل لها بهذا: "لامست رجلاه مياه البحر. أحسّ بدفء الماء، شعر كأنه يصافح صديقا غاب عنه سنين. نظر إلى الامتداد الأزرق الشاسع أمامه، وتنشق عبق الرطوبة المالحة، وامتلأت أذناه بخرير خفيف آت من أعماق الكون، وانطلق في دماغه شريط الصور، ساح خياله إلى الخليج الجنوبي، فانبثقت صور لا ترى بالعين، لكنها مليئة بالحركة والحياة" ( ص 103 ).
هكذا أسهمت وظيفة البحر الجمالية – سواء من خلال الألوان والمساحات والتقاطعات – في إنجاز لوحة أو ربما لوحات تشكيلية، كما أعطى الوصف لعالم البحر بعدا عجائبيا من خلال إضفاء صفات إنسانية عليه، وإذا به يتحوّل من إطاره الطبيعي إلى إنجاز وظائف مختلفة داخل العالم الروائي: "شعرت كأني الرضيع في حضن أمه"، هذا ما قالت عارم عندما غطست في بحر قرقنة، بل أكثر من هذا أحست بكل من حولها ينشد متعة الحياة، كأنه جوقة منشدين تهلّل للوجود متناغمين مع سعادتها ( ص 91 ). وأحسّت أحيانا وكأن البحر رقيب يتطفّل عليها يضحك منها يشوّش عليها أفكارها. وهذا "علي" بدوره "كان مشهد البحر تتدحرج فوق صفحته الأمواج يثير حنينه ويدفعه إلى أن يحلم بالسفر إلى أصقاع الدنيا، وإليها – حبيبته – ليلقاها" ( ص 103 ). وكذا الأمر عند جلوسه قرب خليج قمّرت باحثا عن الطهر والراحة: "اسلم نفسه لروعة الطبيعة وكأنه يغتسل من القذارة التي كانت تكسوه" ( ص 106 ).
إنه البحر ... ذلك الفضاء المتعدّد الغني بالدلالات، لم يجد الكاتب أفضل منه تعدّدا – قرقنة، خليج قابس، خليج الحمامات، خليج قمّرت – ولا تنوّعا – بين الثورة والهدوء – ليحمّله خصائص الشخصيات النفسية والإيديولوجية، وشكّل متنفّسا لها، وحيّزا لاستيعاب معاناتها وإحباطاتها.. هكذا مثّل البحر هنا ذلك المدى الذي تتوق إليه الذات بحثا عن الخلاص والنقاء، وجسّم النقيض المباين لاضطرابات المجتمع وتناقضاته وما ينجم عنها من معاناة.
وتبقى الغربة
تنفتح الرواية من آخرها، حيث نرى عارم تعيش سعيدة في شقتها " بنانتار". ثم تعود إلى قابس عن طريق الصور القديمة، ثم تنثني عائدة إلى إناء الكسكسي تعدّه لصاحبها "ميشال" لتقارن بين بخاره وبخار الزمن. عودة أخرى إلى الطفولة وهي تتساءل: "لماذا كل هذا الحنين إلى الوطن البعيد ؟". "علي"، وهو في باريس، يدير أعماله بحذق، و"يتحاشى أيضا النظر في الماضي يريد دفن حياته في الحاضر" ( ص 30 ). لكن هذا الماضي يخرج عليه فجأة، ويثير كوامن نفسه وجروحها القديمة، فتعود به الذكرى إلى قابس.
هكذا تمضي الرواية كلها مراوحة بين الأمكنة في تمازج لطيف، لا يصدم ولا يحدث هزّات، فالمفاجآت غير كثيرة، وحتى لما تحدث يكون الكاتب قد هيّأنا لها كما يجب، كما فعل في وصف حال "علي" وهو يفرغ إحباطه في المسكرات، والإكثار من زيارة المقابر، قبل إقدامه على الانتحار. وبهذا يصدق القول على هذه الرواية بأنها لم توضع لتكون وعاء لأحداث، بقدر ما وضعت لتكون وعيا بأسباب تلك الأحداث، وأسئلة متواترة في منطق الظاهر ومنطق الباطن الذي يتحكّم فيها. لذا فهي" رواية مواقف"، "لا رواية أحداث" أو تحليل طباع، كما يحلّل ذلك ميلان كونديرا، لأن الصراع فيها ليس بين إنسان وآخر، بل مع العالم، والعناصر غير المرئية المتحكمة فيه.
من أول وهلة يبدو الكاتب شبه منحاز لبعض الملامح والأفكار البارزة في روايته، وإلا ما كان عنوانه بتلك اليقينية، لكننا بتدقيق النظر سنراه على العكس من ذلك حائرا مترددا كثير الشكوك، يبذر الالتباس، وتحتضن روايته التعدد في الآراء، وتضع النقيض بجنب النقيض، من دون التحيز لوجهة نظر وحيدة.
هو يعلم أن العالم ليس بمثل هذا الوضوح الذي تخيلته عارم: نصف جنة ونصف جحيم، أو الذي تصوّره "علي" في شقّ: خضرة وماء ووجه حسن، وفي شقّ صحراء ووحوش وأفاعي. كما يعرف أن لا وجود لطوائف تناسلتها الملائكة، وأخرى من نسل الشياطين، فالعالم مزيج رجراج، وبحر يلامس كل الشواطئ، وصدق شاعر قال:
مثلك الكون والزمان فلا تسبّ مكانا ولا تذمّ زمانا
وانظروا كيف عارم في أوج أزمتها تتساءل، و"تبحث عن وجودها في هذا المجتمع الذي حشرت نفسها فيه، والذي سمح لها بأخذ مكان يرفضه لها البعض بشفونية وعنصرية، ويقبله البعض باسم الحرية والمساواة بين أفراد المجتمع في ظل احترام القانون، ويشجّعها عليه الشق الآخر باسم العالمية الشيوعية التي تدعو في طوباويتها إلى جمع الجنس البشري في دولة واحدة وقوانين واحدة وعدالة واحدة. والواقع الذي تعيشه ليس بكل هذا الوضوح النظري: تشابكات، وصراعات، وحقائق تعمّق شعور الغربة الذي يستولي عليها من حين لآخر. فأثناء تلك الفترة من الوعي المتذبذب كان سؤال واحد يهزّ كيانها، ينغّص عليها حبّها للحياة في بلاد التناقضات الفاضحة: من أكون ؟" ( ص 156-153 ).
كشفت هذه الرواية الجيّدة عن منطقة من الوجود ربما كانت مجهولة لدى الكثيرين من جيل اليوم، وربما قد تنفعهم – كما يقول كنديرا أيضا – كأداة مقاومة، لعالم عوّضت فيه الغباوة التجارية، الغباوة الإديولوجية".
_____________________________________________________
نشر هذا المقال في جريدة الشعب التونسية
الاثنين 14/8/06
الحرب والسلم
خاض تنظيم حزب الله الحرب بنجاح، ويمكن أن نعتبر دون مبالغة أنّه انتصر في هذه المعركة الشرسة. انتصر على كل الجبهات، الحربية والسياسية والاجتماعية رغم كل الدمار الذي لحق المواطن اللبناني من هذه الحرب المدمّرة التي لم تراع فيها العسكرية الإسرائيلية أي قانون من قوانين الحرب.
وربما يكون يوم الحساب قد حلّ اليوم وتنظيم حزب الله قد وقع بين خيارين كليهما صعب: التخلي عن هيكلية التنظيم واختيار هيكلية الحزب.
لأن حزب الله تنظيم ثوري، وله جناح عسكري يفوق قوّة جيش الدولة اللبنانية، فما باله صانع و"المجتمع الدولي"، وهو القوّة الدولية الوحيدة التي تسوس العالم، يطالبه بنزع سلاحه، والحكومة اللبنانية كذلك تطالبه بالتحول إلى قوة سياسية تمتثل إلى شريعة الدولة اللبنانية؟
ربما الأيام القادمة تجيب عن هذا السؤال المحيّر بالنسبة إلى الجماهير العربية التي ساندت المقاومة اللبنانية بقيادة تنظيم حزب الله. لكننا ومن خلفية حرصنا على النتائج الباهرة التي أتت بها هذه الحرب للجماهير العربية، نريد أن نعرف إلى أيّ مدى يمكن أن تتعايش تنظيمات ثورية داخل هياكل الدولة. الموضوع يهمّنا خاصة أنّ المقاومة الفلسطينية تعاني من هذه المعضلة.
إنّ جلّ التنظيمات الثورية التي انتصرت وحررت بلدانها آلت في النهاية إلى اعتناق التنظيم الحزبي المساند للدولة، وقد كان ذلك التحول كارثي على الثورة وخلق أنظما استحوذت على السلطة وقننت التسلط. والأمثلة كثيرة من الثورة البلشفية إلى ثورة الجزائر مرورا بكوبا وببعض البلدان الإفريقية.
لكن وضع لبنان يختلف عن كلّ الأوضاع الأخرى. لبنان مجتمع تتعايش فيه الطوائف كبيرها وصغيرها. لبنان عاش حربا أهلية مدمّرة وخرج منها منهوكا، وتصالح الفرقاء دون أن يرسوا قواعد للدولة القوية التي يوكل إليها حماية الأرض والعباد. لبنان عرف احتلالا إسرائيليا مقيتا، ولم تغادره إسرائيل التي تطالب الآن مدعومة ب"المجتمع الدولي" بتطبيق قرارات مجلس الأمن التي لم تطبقها طيلة أكثر من عشرين سنة دون أن يتدخل هذا المجتمع الدولي ليفرض تطبيقها، والتي طبّقتها مرغمة تحت ضربات المقاومة. لبنان تحكمه الطبقية المجحفة، وينهب الدولة سماسرة السياسة الذين غالبا ما يتصارعون على المصالح الطائفية أو الطبقية أو الشخصية. لبنان كلّ هذا ولن يمكن أن نطلب من دولته أن تفرض سلطة لا تملكها، وهي غير مهيأة لذلك.
هذا الفراغ لسلطة الدولة، وهذه الهيكلية الشاذة لدولة الطوائف تجعل من تطبيق القرار 1701 الذي يدعو الدولة اللبنانية فرض سلطتها على جنوب لم تكن متواجدة فيه، ولم تفعل شيئا للتواجد فيه، أمرا عسيرا. السلطة لا تتمثّل في الجيش فحسب بل في ما يوكل لهذا الجيش. فهل الجيش اللبناني بتركيبته الحالية وبتسليحه وتكوينه الحالي قادر على الوقوف أمام أطماع إسرائيل. وهل تقدر القوات الأممية( وهل يسمح لها؟) أن تدافع عن أرضي ومواطني لبنان لو عنّ لإسرائيل أن تعتدي عليه؟ هذه تساؤلات يطرحها المواطن اللبناني في الجنوب قبل أن يطرحها "المجتمع الدولي". يطرحها حزب الله الذي تكفّل بحماية هذا المواطن قبل أن تطرحها الحكومة اللبنانية.
هذا هوّ مأزق "المجتمع الدولي" في لبنان الذي لم يصغ إلى تحذير وزير خارجية قطر عندما ذكّر أنّ لبنان له خصوصيات لا بد من أخذها في الاعتبار قبل إصدار هذا القرار. فهل سيجرؤ المجتمع الدولي على فرض قراره بالقوّة؟ وهل يقدر على ذلك دون أن يُغرق لبنان في حرب أهلية أخرى؟ وهل يعي أنّ ضغطه على الحكومة اللبنانية الحالية التي تفتقد إلى شعبية عريضة بين الجماهير اللبنانية سيؤدي إلى الإطاحة بهذه الحكومة؟
لقد انقلبت الفخاخ التي وضعها قرار مجلس الأمن لحزب الله على المجتمع الدولي نفسه، ولم يعد حزب الله وحده في مواجهة القرار الأممي بل أصبحت الحكومة اللبنانية المساندة من قبل فرنسا والولايات المتحدة، والمجتمع الدولي في مواجهة واقع معقد لا يمكن تجاوزه بسهولة.
الغريب في هذا الوضع أنّ جميع المطالبين بنزع سلاح تنظيم حزب الله، سواء كانوا أجانب أم شق من اللبنانيين، يتجاهلون واقع هذا الجيش. فهل تواجد جيش لم تحدد له مهمّة تواجده على أرض لا يعرفها جيدا، ولو كانت أرض مواطنيه، يحلّ المشكلة التي من أجلها قامت الحرب؟ هذا العماء على واقع صارخ يحيّر كل ملاحظ محايد يريد أن يفهم واقع لبنان المتشعّب. فهل أصبحت الأمور الدقيقة تسيّر من قبل المجتمع الدولي وما لفّ لفه بهذه السذاجة أو لنقل بهذا التعنّت الأعمى؟ إنه لعمري عبث بمصير الشعوب وضرب من ضروب الجنون الذي يؤدي إلى كوارث كالتي يعيشها الشعب العراقي منذ ثلاث سنوات.
فإذا كان الوضع بهذا التعقيد فما هو الحل حتى يخرج لبنان من محنته؟
لقد بكى رئيس حكومة لبنان أمام ممثلي الدول العربية عندما ذكر أنّ لبنان اختار أن يكون عربيا. بكى لأنّ العرب فرّطوا في لبنان منذ سنة 1982، بكى لأنّ العرب تخلوا عن اتفاقيات الدفاع المشترك التي لم ترى النور يوما، وظلّت حبرا على ورق كجل اتفاقيات العرب، بكى لأنّ دولة لبنان مسلوبة الإرادة أمام عنجهية الجار الإسرائيلي الطامع المدعوم من المجتمع الدولي. وهل البكاء يكفي لحل مشاكل لبنان؟
بعض اللبنانيين ولا أريد أن أسميهم يرى الحل في مظلّة فرنسا والولايات المتحدة، والتخلي عن نهج المقاومة، والخروج من حالة العداء مع الجار الإسرائيلي، والانخراط في اتفاقية سلام كما فعلت مصر والأردن. يتناسى هذا الشق تشعب تركيبة الشعب والدولة في لبنان، ويتناسى أيضا تجذّر المقاومة الإسلامية عند شرائح كبيرة من الشعب اللبناني، كما يغمض العين عن تواجد أربع مائة ألف لاجئ فلسطيني على أرض لبنان، وهو رقم يمثل أكثر من عشرين في المائة من سكان لبنان. ثم ماذا يمثل هذا الشق من الشعب اللبناني وما هي شرائح المجتمع التي يدافع عنها؟
لقد أصاب بعض رموز هذا الشق الغرور عندما رأوا اندفاع الشارع اللبناني إثر اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري للتظاهر والمناداة بتحرير لبنان من الوجود السوري. لكن ليس كل تلك الجماهير مؤيدة لخطّة المجتمع الدولي التي تريد أخراج لبنان من حالة المقاومة إلى السلام الغير عادل والمشروط. ليس كل شرائح المجتمع اللبناني تريد التخلي عن دور لبنان الفاعل في تدعيم ونشر الثقافة والقيم العربية في كامل أرجاء العالم العربي. لا يمكن للبنان أن يعيش خارج عروبته لأنها سبب من أسباب وجوده.
كان الوجود السوري في لبنان مقيتا، وخلّف لدى اللبنانيين كثيرا من المرارة، لأنّ النظام السوري لم يحسن التصرّف، وعامل لبنان كمن يعامل بقرة حلوب، وسمح لمخابراته بالتمعّش وبالفساد حتى ضاق اللبنانيون ضرعا بهذا الوجود الجاثم على صدورهم. ولهذه الأسباب سايرت الجماهير اللبنانية انتفاضة 14 افريل. أمّا وقد رحل الجيش السوري عن لبنان فلا يمكن أن نتصوّر أنّ جماعة 14 أفريل ستلاقي نفس الالتفاف الجماهيري ضد المقاومة الإسلامية التي تساندها كثير من القوى اللبنانية غير إسلامية. وإذا ما كانت جماعة 14 أفريل تصرّ على مواجهة المقاومة الإسلامية فبأس مصير لبنان.
كان السيد حسن نصر الله واضحا في تدخلاته طيلة الحرب. قالها بصريح العبارة أنّ مسألة سلاح المقاومة لا تحسمها القرارات الأممية ولا التدخلات الأجنبية بل يقع طرحها في حوار وطني يجمع كل القوى المتواجدة على الساحة اللبنانية. ولست أدري لماذا تستعجل الجماعة في طرح هذه المسألة المتشعبة العويصة في هذه الظروف القاسية على الشعب اللبناني؟ إذا كان المجتمع الدولي يدفع الحكومة اللبنانية إلى مأزق فلتتجاهل المجتمع المدني كما فعلت إسرائيل مع القرار ... . وما ضرّها لو تجاهلته؟ لا أتصوّر أنّ إسرائيل ستقدم على معاودة الحرب على لبنان بعد ما نالته من حروبها ضدّه. ثم إن سلاح المقاومة قد كان فاعلا طيلة أيام الحرب، فهل من المعقول أن يتخلى أحد على سلاح حماه من غزو محقق؟
أعتقد أنّ تجربة المقاومة اللبنانية لو تركها اللبنانيون تأخذ طريقها إلى النهاية المرجوّة: التحول من التنظيم الثوري إلى التنظيم الحزبي السياسي الفاعل في تعديل التوازنات المعقّدة في المجتمع ستكون أنموذجا لكل قوى التحرر في العالم العربي الذي تعيش بعض أجزائه تحولات مأساوية وتنتظر البعض الآخر بؤر توترات، وانتفاضات نظرا للتراكمات العديدة للتجارب الفاشلة في نحت المجتمع المعاصر المتطور.
الهادي ثابت
______________________________________________
حوار مع الأديب كمال الرياحي لجريدة فسيفساء التونسية
حوار مع الأديب كمال الرياحي لجريدة فسيفساء التونسية الصادرة في 12/7/2006 وهي جريدة نصف شهرية تعنى بشؤون الأدب والفن تصدر بتونس.
- من أين جاء الهادي ثابت ؟ و لماذا هذا الظهور المتأخر في الساحة الأدبية ؟
ج: أعتقد أنّ الإنسان سيّد حياته، فهو الذي يكيّفها حسب رغبته وتطلّعاته، وهو الذي يحذّد لها المسار الذي تأخذه، وهو الذي يعرف كيف يغتنم الظروف حتى يطوّعها لمشروع حياته. كنت منذ الصغر مغرم بالمطالعة، وكان لوالدي مكتبة تحتوي على كتب مختلفة في ميادين عديدة تغلب عليها الكتب السياسية والدينية. ربما كان ذلك قد رغّبني في الكتابة. ولكنّ دراستي الثانوية لم تؤهلني لأن أقوم بدراسة الأدب ولا اللغات التي كنت مولعا بها، فقد توجهت إلى ميدان التقنية وتحصّلت على دبلوم في التصوير التقني مكنني من العمل، لكني لم أترك الأدب واصلت نوعا من التعليم الحر حتى نلت الباكالوريا شعبة آداب (بفرنسا). في بداية دراستي العليا كنت أنوي دراسة اللغة العربية بجامعة باريس لكنّ شجارا قام بيني وبين أستاذي آن ذاك وهو الأستاذ أندري ميكال تركني أترك دراسة اللغة والآداب العربية على أيدي أساتذة لا يحذقون النطق الصحيح بلغة يعلّمونها لغيرهم، وتوجهت إلى دراسة اللغة والآداب الفرنسية، وهو ما كنت وما زلت أعتقد أنه النهج الصحيح لمعرفة الأدب بصفة عامة، أما اللغة والآداب العربية فليست بعيدة المنال بالنسبة لعربي، إنها تسري في عروقي وتنزف مع عرقي.
لم تكن الكتابة سواء أدبية أو صحفية بالنسبة لي هواية أو نوع من التسلية، كانت وما زالت وسيلة للتعبير عن المشاعر التي تنتابني من حين لآخر. كتبت بعض المقالات في صحافة المعارضة الرأي، المستقبل في بداية الثمانينات. ثم كتبت روايتي الأولى أثر أحداث الخبز في سنة 85 ولم أنشرها بعد. مع انتخابات 1995 غادرت حزب الديمقراطيين الاشتراكيين واقتنعت أني لا أصلح للسياسة. ولمّا كانت الكتابة وسيلتي الوحيدة للتعبير عن وجودي بعد السياسة فقد تفرغت للكتابة. هكذا جئت لكتابة الأدب بعد أن ضيّعت عمرا كاملا أبحث عن حيّز أعبّر من خلاله عن وجودي كحيوان سياسي، فتحولت إلى حيوان أدبي إن صحّ التعبير.
- لماذا أدب الخيال العلمي ؟ لماذا اخترت هذا الصنف من الكتابة ؟
لا تنسى أنّي توجهت أثناء دراستي الثانوية إلى ميدان التقنية، وهو الذي مكنني من ثقافة علمية تكثفت عبر مطالعاتي المتواصلة للكتب والمجلات العلمية. ولكنّ ذلك ليس السبب الرئيسي لاختياري ميدان أدب الخيال العلمي رغم غرامي بمطالعة هذا الصنف من الأدب منذ صغر سني. فعندما غادرت ميدان النشاط السياسي ولم يرغمني على ذلك أحد، ظللت فترة من الزمن أفكّر في هذا الإنسان، هذا الحيوان السياسي كما عبّر عن ذلك الفلاسفة. كنت أنزوي في أحد أركان حديقة منزلي وأظل جزء من الليل أتصفّح السماء، وأناجي النجوم، وفي بعض الأحيان أتعرّف على بعض الكواكب من خلال الخرائط الفلكية التي كانت تلازمني. هذا الحيوان السياسي لا يساوي شيئا أمام امتداد هذا الكون الذي لا يمكن حصره، ولكنه يمتلك عقلا، وخيالا لا تحده حتى عظمة الكون. هذا التناقض بين ضآلة الإنسان وعظمة عقله وخياله دفعني إلى السفر عبر الزمن في الاتجاهين المعاكسين، من بداية الكون إلى نهايته. ظللت على تلك العادة ليالي طويلة أتفحص سماء الليل أثناء الصيف، وأتخيل الكون، وأسافر في الزمن الغابر: نشأة الكون، البغ بنغ الانشطاري الذي حول المادة إلى زمن، الزمن الكامن الذي يتحرك نحو العدم أو التوسع اللانهائي في كون لم يصل العلم إلى حدوده. كل هذه الشطحات الفلكية كانت تساعدني على تحمّل رداءة الحياة المعاصرة بكل فضاعاتها التي ما فتأت تتفاقم مع تقدّم الإنسان. ثم قلت في نفسي كما قال قبلي جلّ الذين كتبوا في الخيال العلمي: "ربما يكون في هذا الكون الشاسع بشر مثلنا يعيشون تجربة الحياة كما نعيشها، وربما يعيشونها بطريقة أرقى منا. ومن هنا انطلقت مغامرة الكتابة في الخيال العلمي.
- لنعد الى المفهوم ما معنى "أدب الخيال العلمي" ؟
أبسط تعريف لأدب الخيال العلمي هو أن نمزج العلم بالأدب ونترك الخيال يتصرف. فسوف يعطيك أدب الخيال العلمي. ولا تنسى أنّ أدب الخيال العلمي لا يقتصر على الرواية، فهناك شعر الخيال العلمي، وقصّة الخيال العلمي، ومقالة الخيال العلمي، وحتى بعض استشرفات المستقبل التي تعتمد الخيال العلمي، وقد ترجمت في هذا الميدان كتابا لجوال دي روني حول مستقبل البشرية يعتمد الخيال العلمي. كل النظريات العلمية في ميدان الفلك، والفيزياء الكونية، والذرة، والبيولوجيا كانت في البداية ضربا من الخيال العلمي. أدب الخيال العلمي ليس أدبا هامشيا، فهو يعبّر عن طموحات الإنسان في المعرفة التي لم يتوصّل إليها فيترك خياله يراودها.