|
جبل علّيين
12 جويلية ...
انطلقت بنا المركبة بسرعة مذهلة. كنت جالسة قرب إبراهيم، سائق السيارة التي انقلبت بنا في مكان ما من الأرض. وكانت تجلس على يساري الحسناء القانمادية ، المسؤولة عن الصيانة في المحطة الأرضية، التي تطوّعت لمرافقتنا حتى تسهّل علينا الاندماج في المجتمع القانمادي. وكان بجوارنا الرجل الوقور "سان"، عالم النفس القانمادي، الذي يعود نهائيا إلى وطنه بعد أن أقام سنين في المحطة الأرضية يبحث في حضارات أهل الأرض... كانت المركبة تدور حول نفسها في الجو كالخذروف، وكانت السماء تلتفّ حولنا وكأننا نغطس في البحر، ننظر إليها من خلال جدران المركبة البلورية... كنت أشعر أني أندفع بسرعة المركبة... وكأن السماء تنزل من عليائها لتحتضنني وترفعنا إلى العنان. وكان كل شيء من حولي شفّافا: المقعد الذي قيدوني إليه، واللباس الذي الذي أرتديه، والذي يشبه لباس الغوص الغوص في أعماق البحار، والأرضية التي أضع عليها قدميّ، ورفاقي في الرحلة الذين يحملون نفس الزي الشفاف، أرى أجسادهم عارية تماما. ولكن لم يكن يزعجني ذلك العراء ولا تلك الشفافية، فقد أصبحا جزءا من حياتي، بل ربما ظهرت لي الدنيا أبهى مما كنت أراها من قبل وأنا أعيش مع الإنسان الذي كان همّه تغطية أشياء كثيرة تثيره.
...................................................................................................................
انطلقنا إذن إلى المريخ في مدار قدّروه بمائة وخمسين مليون كلم، ونظرت إلى ساعتي الكونية التي أهداها لي "بان" قبل رحيلي عن الأرض، وقرأت: يوم الأحد، الساعة منتصف النهار بتوقيت المحطة الأرضية. ولكن أيّ نهار وأيّ ليل؟ لم يعد للأيام من وجود. وهذه الساعة في يدي تسجّل زمنا افتراضيا، كوكب الأرض لفظني كما لحفظتني بطن أمي. والزمان اندثر، مات كما مات أبي، والأيام انكسرت لم تعد تخضع للتسلسل بل أصبحت تمتدّ كسكّة الحديد في خط مستو. سأعجن أيامي وأجعل منها قطعة واحدة على شكل هلال طوله مائة وخمسون مليون كلم. هذا الصحن الذي يلفّ حول نفسه بسرعة تفوق سرعة الأرض ثلاث مرات، لن يكون له ليل ولا نهار، استويا عنده. وسأعيش أنا خارج الزمن....
27 جويلية ...
وأخيرا وصلنا المريخ.
....
فقال الرجل الأشقر متضاحكا:
-هذا مريخك يا أرضية.
ثم أضاف بنفس النبرة:
-ماذا ستصنعين به؟ أرض جرداء قاحلة، ليس بها ماء ولا هواء، كوكب مات منذ مليارات السنين. حتى النزهة مستحيلة... سيتقلّص وزنك ويصبح...سبة وعشرين كلغ. لن يمكنك المشي على المريخ: عليك أن تقفزي مثل الضفدعة، وأن تلبسي زيا يحميك من جاذبية المريخ الضعيفة...
...........................................................................................ن توجد، فردّت أنها فوق قمّة أعلى جبل في النظام الشمسي...
-أين؟
-على قمّة جبل علّيين.
طلبت من الحاسوب أن يبثّ لي خارطة المريخ، وأن يدلّني على جبل علّيين هذا الذي لم أسمع باسمه من قبل. وجاءت الصورة: أتربة حمراء، وحجارة سوداء منتشرة، وفوهات براكين خامدة، وحتى كثبان الرمل مثل التي توجد في صحاري الأرض، كانت تغطي مساحات شاسعة. وفي النصف الشمالي للكوكب أضاء الحاسوب بقعة، هوّة كبيرة، يرتفع داخلها جبل عال جدا، أعلى بكثير من جبال الهملايا..
|