|
جلست عارم في شرفة شقتها تتفرّج على مدينة ننتار تصحو من النوم. لم يكن عندها محاضرة هذا اليوم، وقد خرج ميشال منذ ربع ساعة متوجها إلى الجامعة حيث يدرّس التاريخ. كانت الحركة فاترة، فقد غادر سكان نانتار بيوتهم وزحفوا على باريس كالديدان. نظرت إلى الأفق اللازوردي تشعّ فيه شمس زاهية. حلّ الربيع، وفاحت رائحة الحقول المجاورة، وانتعشت الطبيعة بعد جمود الشتاء. أحسّت بنسيم بارد يهبّ على الشرفة، فدلفت إلى الشقة لتضع على كتفيها شالا أسود قديما من مخلفات أمّها، أهدته لها يوم سافرت أول مرة إلى فرنسا لمزاولة تعلّمها العالي.
كانت المخبزة المقابلة للشرفة تتلألأ أنوارا ذهبية رغم الشمس المشعة في الشارع العريض. لقد نزل ميشال باكرا ليأتيها ب"الكرواسون" فاحت نكهته في الغرفة عندما قدّمه لها مع القهوة وفطور الصباح وهي ما تزال في فراشها. تذكّرته الآن، وهي شاخصة ببصرها في واجهة المخبزة، وهو يوقظها من نومها ليضع على شفتيها قبلة: "عيد ميلاد سعيد عزيزتي". تذكّرت طعم الكرواسون، وشعرت بالسعادة تلفّها. حبّ ميشال لها أنساها كل شيء، ولم تعد تحنّ حتى إلى وطنها الذي لم تره منذ عشر سنوات، منذ أن غادرته أوّل مرة وهي في سنّ العشرين.
عشر سنوات من الفراق، والغربة، والحنين. لكنها سنوات من العمل والكد. سنوات من التعرف على عالم بهرها بحركيته، وبتناقضاته، وبثرائه. سنوات من الصراع مع النفس. ولم يطل تأمّلها في واجهة المخبزة الجميلة فقد سرح خيالها إلى أصقاع أخرى، وامتلأت بروائح أخرى، وشعرت بأنها تسبح في أجواء بعيدة كالسمكة التي تنتقل من البحر إلى النهر.
سرح خيالها إلى بلدها، إلى مدينتها، إلى شقتها. واستقرّ هناك يتفحّص الأماكن: غرفة النوم التي كانت تتقاسمها مع أمّها، شقة بسيطة، قليلة الأثاث لكنها كانت دائما نظيفة، مرتبة، تملؤها شمس الصباح، وتغلق نوافذها عند الظهيرة سواء كان الفصل شتاء أم صيفا. المطبخ الذي تقضي به أمّها جل أوقاتها، كان هو أيضا نظيفا، تلمع أرضه وجدرانه المطلية بالدهن الزيتي، تنظّفها أمّها بالماء ومواد التنظيف مرة في الشهر. كانت لا تطيق أن ترى شقّتها وسخة أو غير مرتّبة. الصالون الذي تطلّ نافذته على العمارة المجاورة. لقد خفق قلبها بشدّة عندما تذكّرت العمارة المجاورة. تملّكتها رعشة خفيفة وتراءت لها بعض الصور التي ما زالت تعمّر مخيّلتها رغم تعاقب الصور. قالت في نفسها متسائلة: "أين أنت يا علي؟!"
كانت قصّة حبّها لعلي صاعقة بأتمّ معنى الكلمة. نشأت فجأة، واستمرّت عنيفة، وانقطعت فجأة. محتها من حياتها كما يُمحى اللوح بعد تلاوته على المؤدب. وكتبت أسطر قصّة حبّها لميشال. لم يكن الحب الجديد عنيفا، ولا هو صاعقا. بدأ هادئا، وتواصل رصينا، لكنه حبّ متين لا تفلّ فيه الهزّات والتقلبات. وليس له علاقة بطقوس المجتمع، ولا بقوانينه.
………………………………………………………………………………………………………………
وصل علي باريس البارحة، قادما من أمستردام بالقطار السريع. وأقام بنزل فاخر في شارع الجنّة في المنطقة العاشرة بالمدينة. وصل ليلا، فاستقلّ تاكسي إلى النزل، ونام باكرا لأن أعمالا كثيرة تنتظره في الصباح. لم تكن هذه المرة الأولى التي يزور فيها باريس فهو متعوّد على التنقّل بين تونس وباريس مرّتين في الشهر على الأقل. وبينما كان يأخذ فطور الصباح في النزل استرعى انتباهه عنوان مقال في جريدة "لوموند" التي كان يطالعها رجل كان يجلس غير بعيد عنه. "عائدة في الأوبرا للسنة الثانية على التوالي". بعد فطور الصباح صعد إلى غرفته، وأخذ حقيبته، وقبل أن يغادر الغرفة ألقى نظرة على هيأته في المرآة فرضي عن نفسه. كان أنيقا، بربطة العنق الحريرية الفاخرة بألوانها الهادئة، والبدلة الرمادية الجديدة التي اقتناها البارحة من أمستردام، والحذاء الإيطالي الملمّع. شعر وكأنه أحد الأمراء، لا تنقصه إلا السعادة.
عندما نزل الطوابق الثلاثة مغادرا مكاتب السيد كرسكفسكي، أحسّ بالإعياء وبالجوع يستولي عليه. كان الحي هادئا وحركة المرور فاترة، تمشّى قليلا حتى اعترضه مطعم صغير تقف أمامه امرأة ممتلئة دون سمنة، رمقته بابتسامة ودّ، ودعته أن يدخل المطعم. فلبىّ دعوتها وانزوى في أحد أركان المطعم الذي لم يكتظّ بعد بالزبائن. لم تتركه المرأة الممتلئة يختار المأكولات بل قالت له وهي تنحنى عارضة له صدرها شبه العاري:
- سأقدّم إلى السيد أكلة المطعم المفضّلة، لقد حضرت لتوّها، وستكون أوّل من يتذوّقها.
استقلّ تاكسي ليعود إلى النزل في شارع الجنّة. وبعد نزوله من التاكسي متجها إلى النزل لفت انتباهه ساعة اشهارية تسجل بالخط الغليظ: 26 أفريل 1984 الساعة الواحدة وخمس وأربعون دقيقة وثوان لم يكمل قراءتها. وهو يدخل المصعد شعر أن أرقام الساعة الإشهارية ما زالت تتعاقب في مخيلته. لكن بالنسبة إليه لم يعد للزمان من معنى. الآن ولا شيء غير الآن. حتى الفتاة التي راقه صدرها العاري وصوتها الدافئ، لم تترك في مخيلته شيئا يحنّ إليه. كانت لذيذة كالخمر، كالطعام، كالجبن، كقطعة الحلوى. ملأت فترة من الزمان وانتهت. لقد تحولت حياته منذ عشر سنوات إلى خط مستو تتلاحق فوقه فترات الزمان. خلع ثيابه واندس في الفراش ينشد النوم، فالمقيال عنده مقدّس مهما كان المكان والزمان، عادة قديمة تعلّمها منذ الصغر ورسّختها في حياته فترة عامين قضاهما بقابس كأستاذ للفلسفة. وكان المقيال بالنسبة إليه أحسن أوقات نومه لأنه عادة ما يكون غير سكران، وعادة ما يتخلل نومه حلم لذيذ، الزمن الوحيد الذي بقي خارج الخط المستوي لزمانه. ولم تمض بعض اللحظات حتى غطّ في نوم عميق. ولم يحلم، بل لم يتذكّر أنه حلم.
ملأ حوض الحمام وغطس فيه، وظلّ فترة من الزمن بدون حراك يتلذّذ الماء الدافئ. ولم يدر لماذا عادت فجأة في مخيلته لوحة الساعة الإشهارية تنشر أرقام السنة واليوم والساعة، وتذكّر 26.04.1984:13,45. لم يحصل له أن سجّل بكل هذه الدقّة أرقاما كهذه. لكنه سرعان ما انتفض من الماء ولبس البشكير ونشف جسده. وجلس يضبط في مفكّرته بقية شغل هذا اليوم الأول بباريس، لأن عليه العودة إلى تونس في طائرة الساعة السادسة من مساء يوم الغد. فمستقبله في ضبط المواعيد، وحاضره في اللقاءات واللذّة العابرة. ولكنه ومنذ تلك اللحظة التي نحتت الساعة الإشهارية أرقاما دخلت ذهنه بعض البلبلة. فقد تذكّر المقال الذي قرأه في صحيفة "لوموند" عن أوبرا عائدة. نهض يبحث عن الصحيفة، وفتح الصفحة الثقافية وتثبّت في ساعة عرض الأوبرا. ولأول مرة يبرمج لمشاهدة عرض ثقافي. لقد طلّق الثقافة والمثقفين منذ عشر سنوات، لم يقرأ خلالها ولو كتابا واحدا، ولا شاهد مسرحية واحدة، ولا حضر عرضا سينمائيا جيدا واحدا غير أفلام شبقية أو بوليسية يضطر إليها عندما يكون صحبة بعض من أصحاب المال يلتقيهم في الخارج.
اليوم يهتمّ بالأوبرا هو الذي لا يعرف من هذا الفن شيئا، بل لم يشاهد في حياته ولو مرة مثل هذه العروض. لكنه سجّل أن العرض يبدأ في الساعة التاسعة ليلا بأوبرا باريس. وقرر أن يمر هذا المساء ليحجز للعرض. عاد يلبس بدلته الجديدة وقد غيّر قميصه وربطة العنق، وانطلق في رحلات مكوكية بين أحياء باريس، يبيع الخمر التونسي لمتذوّقيه. عند الساعة السادسة مساء أوقفته التاكسي أمام حانة صغيرة توجد في عمارة قديمة مهترئة في نهج منمارتر، زقاق يؤدي إلى سوق الجملة القديم الذي تخلّت عنه مدينة باريس وهي تهيئه ليصبح من أطبر أحياء باريس الترفيهية. دخل الحانة، كان صاحبها تونسيا من أصدقائه القدامى ومن مواليد مدينة المرسى مثله.
قبل أن يبدأ العرض كانت القاعة تكتض بالمتفرجين، لم يبق مقعد واحدا فارغ. وقف علي يجول ببصره في كل الاتجاهات ليتعرّف على هذا الجمهور الراقي، وفجأة خفق قلبه بشدّة. لم يستطع أن يصدّق ما رأت عيناه. ولما عاد يتثبّت في المكان الذي ظهرت منه الرؤية كانت قد اختفت. وعبثا حاول أن يدقق النظر فلم يعد لها من وجود داخل خضم تلك الجماهير المتفرّجة. دقّت الأجراس، وخفتت الأنوار، وغطى الظلام القاعة، وعلي في ذهوله لم يعد يعي ما يجري من حوله. "هي بذاتها، بعينيها الخضراوين، بوجهها المتتناسق الملامح، بلون بشرتها البرنزي. لا، لا يمكنني أن أنساها ولو عشت مائة عام." عاد يلتفت في الظلام ولكنه لم يميّز شيئا. وعندما بدأت بعض الأضواء تنبع من الركح، والستار يرتفع ببطء، والمشهد يبزغ، هدأت نفسه قليلا، لكن صورتها احتلّت كل مداركه. ورغم حيوية الحركة على الركح، وارتفاع أصوات الممثلين بالغنى، وانتشار أصوات الآلات تدوي في أطراف المسرح، لم يشدّ انتباهه شيئ. كانت صورتها تملأ كل كيانه. أحسّ بالضيق لفرط ما أثّرت فيه المفاجأة، لكنه بقي في مكانه تائها.
ومرّت أكثر من ساعة وهو على نفس الحالة لم يستوعب من العرض ولو مشهدا واحدا. لقد انتابته فجأة حالة لم يقدر على فهمها، أحسّ أنه ينفصم عن نفسه، يعود عشر سنوات إلى الوراء، عندما كان ذلك العاشق الولهان الذي هجرته حبيبته وضاعت الدنيا بغيابها. لقد نسيها، ووارى حبّه التراب، وهجر عالمه إلى عالم كان يكرهه، وامحت من حياته بتاتا، ولم يتذكّرها أبدا. تركت جرحا عميقا في قلبه لكنه اندمل وشفي منه مع مرور الزمان. ها هي اليوم تبعثر كل ما شيده على أطلال حبه اليتيم! عندما اشتعلت الأنوار، وتململ المتفرجون من حوله، عاد له وعيه بالمكان، فنهض مسرعا يغادر القاعة.
وبينما هو في طريقه إلى باب الخروج، لم يعد يتحمّل وضعه، فقرر أن يغادر المسرح، رجّه تساؤل: "ربما كانت رؤية لا واقعا؟ ربما تخيّلتها، فلعبت بعقلي الصور والهواجس؟" لكنه تمادى في سعيه إلى خارج المسرح. وصل إلى بهو عريض يوجد في طرفه مشرب، تردد لحظة، ثمّ تقدّم نحوه ليرتوي، ولم يخط خطوات قليلة حتى ظهرت له من جديد. تسمّر في مكانه يرمقها من بعيد ويقول في نفسه: "هي لحما ودما. عارم العكروتي. تلميذتي القابسية. عشيقتي وحبي الأول والأخير." جمع كل شجاعته وتقدّم نحوها. كانت تقف قرب الكنتوار مع رجل ذا شعر طويل لا يحمل بدلة ولا ربطة عنق كجل المتفرجين. وقبل أن يصل إليها رفعت نحوه عينيها، فتجمّد في مكانه، وبقيا ينظران إلى بعضهما البعض في بهتة تامة. لقد تأكّد أنها هي.
جذبت عارم ميشال الواقف قربها وهمست في أذنه: "لحظة... سأعود في الحين..." ودون أن تترقّب ردّه، تقدّمت من علي بخطى ثابتة، عندما أدركته مدّت له يدها مسلمة متمتمة:
- كم هو صغير هذا العالم .
وبعد لحظة من الصمت الرهيب قال لها:
- أخيرا عثرت عليك.
- أكنت تبحث عني؟
- في الحقيقة لا، لكن المفاجأة كانت كبيرة.
- أنا أيضا فوجئت برؤيتك.
سلّت يدها، وبقيا صامتين. لم يقدرا حتى أن ينظرا إلى بعضهما البعض. التفتت إلى ميشال وهمّت بالعودة إليه، لكن علي قال لها مرتبكا:
- هل يمكاننا أن نلتقي مرة أخرى؟
بقيت لحظة مطرقة ثم قالت له:
- لا أرى مانعا.
- متى؟
- اعطني رقم هاتفك سأتصل بك.
- غدا إن كان ذلك ممكنا لأني سأعود إلى تونس عند مساء يوم الغد.
- فليكن. غدا عند منتصف النهار، أمام باب معهد اللغات الشرقية. إن لم تكن تعرفه فاسأل

|