لقطة من لوعاد حنبعل
كانت أسماء تراقب بانتباه شديد هذا الرجل الغريب الجالس على الأريكة المقابلة للمصرف الذي تقف وراءه. كان شكل الرجل ولباسه ونظراته مسترابة. ظلّت فترة من الزمن تتبع حركاته دون أن ينتبه إليها، لكن عندما رفع نحوها بصره، ورمقها بنظرة خاطفة، تسمّرت في مكانها، وشعرت بقشعريرة تخترق كامل جسدها. أحست بتيار حاد ينبعث من عيني ذلك الرجل، فيعم كل كيانها. ظلّت لحظة متجمّدة في مكانها كالصنم، راشقة نظراتها في الرجل الذي وجه بصره نحو سقف القاعة الفسيحة لنزل عليسة الفخم. ولم تصح من ذهولها إلاّ عندما انحنى عليها زميلها مازحا:
-إلى أين ذهبت بك أحلامك؟
لم تجبه في الحين. لكن عندما وقف الرجل وتقدّم نحو باب القاعة مغادرا النزل، التفتت إلى زميلها سائلة مشيرة بإصبعها في اتجاه الرجل:
-من يكون ؟
ضحك ضحكة عالية وقال:
-لا بد أنه سحرك بنظرته... لقد وقعنا كلنا في سحر تلك النظرة.
ثم مد لها بطاقة ارشادات وتركها تقرؤها باستغراب شديد:
الإسم: حنبعل
اللقب: بركا
اسم الأب: عبد ملقرط
تاريخ الولادة: 10 ماي 247 قبل الميلاد
مكانها: قرطاج
تقدّمت بخطى ثابتة نحو الباب العريض، وما أن تخطته حتى بهرها نور الشمس الحادّ. وضعت يدها أمام عينيها، وطفقت تتثبت في المكان باحثة عن الرجل الغريب حتى عثرت عليه يمشى الهوينا في ممر الحديقة الجميلة المزدانة بالأزهار، تفرش أرضها الخضرة.
مشى بها في ممر الحديقة الزاهية خطوات ثم انحنى عليها وعاد يهمس:
-أفهم جيدا ارتباكك وحيرتك. فقد وجدتني غريبا عن عالمك. ماذا ترغبين مني؟
لم تجرؤ عن رفع عينيها نحوه، لكنها سألت متلعثمة:
-هل أنت حقا حنّبعل بركا كما قرأت في بطاقة الإرشادات؟
سألها بلهفة:
-وهل كنت تعرفين حنبعل بركا من قبل؟
أجابت متلعثمة:
-قرأت عنه في كتب التاريخ.
بعد فترة من الصمت قال:
-أنا هو لحما ودما.
أسرعت تسأل مرتبكة:
-وهل كل المعلومات التي قرأتها بالبطاقة صحيحة؟
-تماما.
لاذت بالصمت. لم تجرؤ على البوح بشكوكها، لكنه عاد يقول بصوت خافت:
-أنا حنبعل بركا وإن كنت غير متحقق من هوّيتي.
ثم انحنى عليها وأمسك بذقنها ورفع رأسها محدقا فيها، وعاد يهمس:
-لا تخافي، لست من الأموات العائدين، ولا شبحا. إني حقيقة.
ثم مسك يدها ووضعها على لحيته وعاد يقول:
-لا بدّ أنك أحسست بخشونة الشعر الذي يكسو وجهي. إني إنسان مثلك.
وبكل تلقائية سألته:
-متى جئت إذن؟
صمت لحظة ثم قال:
-هنا تلقين سؤالا لا أستطيع الإجابة عنه. بصراحة: لست أدري، كل ما أعرفه أني أتيت إلى هذا المكان مساء البارحة، وجدت نفسي داخل النزل، بين جمهرة من الناس، وعندما تقدّم مني أحد مضيفي النزل وسألني عما أريد، قلت بكل تلقائية أني أرغب في الإقامة في أفخم جناح بالنزل. فدعاني المضيّف إلى الاستقبال، وطلب مني أن أعمّر بطاقة الارشادات، ففعلت. وبت ليلة هادئة في الجناح رقم واحد.
عندما انصرفت أسماء، بقي حنبعل يتبع خطاها في الممر الطويل القليل الإنارة تفرش أرضه طنفسة خضراء. كان يركز بصره على جسدها الممشوق ينساب بخطى ثابتة، يتموّج داخل بدلتها الصارمة: قميص ناصع البياض، وتنورة طويلة داكنة. حلت الفتاة في عينيه، فظلّ يتبع تنقلها في الممر حتى اختفت. أغلق الباب وعاد يرتمي على أريكة فاخرة، وذهنه ما زال مشغولا بالفتاة.
فجأة فتحت النافذة، وانزاح عنها الستار الشفاف الموصلي، واندفع من خارجها بساط يتنقل تلقائيا تجلس عليه امرأة عارية تماما. ذعر حنبعل للمشهد المتنقل أمام عينيه، وصرّ جسده داخل الأريكة الناعمة، وبقي يتتبع نزول البساط على أرض الغرفة.
نهضت المرأة العارية ووقفت أمام حنبعل، وظلّت تتفحصه. لم ير حتى في منامه أجمل من تلك المرأة. كانت طويلة القامة، متناسقة الأطراف، مكتنزة الصدر، نحيفة الساقين، ممتلئة الفخذين. لكن رأسها كان خاليا تماما من الشعر. بقي مبهورا بالمشهد، ينظر إلى المرأة بانتباه شديد، يفكّر في كل الاحتمالات وكأنه يخطط لشق جبال الألب. عندما ركّز بصره على عينيها، لم ترتبك، بل رمقته بابتسامة عذبة زادت في حيرته: لأول مرة في حياته لا تفلح نظرته في إرباك مواجهه.
اقتربت منه، ومدّت له قرصا صغيرا في حجم حبة الحمص، ثم أشارت إليه بوضع القرص في أذنه. فعل ما طلبت منه، وظلّ يترقب. سمعها تخاطبه بلغة غريبة، ثم جاءته الترجمة باللغة العربية، تنبعث مباشرة في أذنه عبر تلك الاسطوانة الصغيرة. سألته:
-كيف قبلك الناس من حولك في النزل؟
لم يجبها في الحين، ظلّ يتفحّصها بكل انتباه. ثم طفق يخمّن: "ليست هذه المرأة من الأرض، فقد تجولت في شرق الأرض وغربها ولم أر مثل هذا الجسد، ولم أسمع نبرات هذه اللغة. ثم كيف تدخل من الشباك على بساط طائر؟ لا بد أن تكون جنية، أو ساحرة!" وبعد فترة من الصمت وهو يتفحصّها، وهي ترمقه غير مكترثة بنظراته الحادة، سألها بحدّة:
-من أنت؟
ضحكت ضحكة عالية ولكنها رقيقة ومثيرة زادت في ارتباكه، ثم قالت:
-لا تغضب يا حنبعل. أنت محق فيما تقول، أعتذر لك، كان عليّ أن أقدّم لك هويتي قبل أن أسألك عن تجربتك هذه.
اقتربت منه أكثر، ثم جلست على أريكة قبالته، وعادت تحدثه بنفس النبرة العذبة:
-لو قلت لك إني أتيت من الفضاء هل تصدّق؟
أجابها مستغربا:
-ماذا تعنين ؟
-من خارج الأرض، من كوكب بعيد يسبح في الفضاء مع مليارات الكواكب التي تعمر السماء.
-أنت جنية إذن.
-لا، أبدا.
ومدّت له يدها وهي تقول:
-إلمسني إني من لحم ودم مثلك.
مسك يدها، كانت رقيقة ناعمة. مدّ يده إلى جسدها يتلمّسه، لكنها قالت له ضاحكة:
-أخاف عليك أن تنساق إلى الشهوة يا حنبعل. توقف، أريدك فقط أن تتأكد أني إنسان مثلك.
قال لها وهو يتفحّص جسدها بإمعان:
-افترضي أني صدّقتك، لماذا أتيت إلى الأرض؟ ولماذا اخترتني أنا بالذات؟ وماذا تريدين مني؟ ولماذا لا تسترين عورتك؟...
قاطعته سائلة:
-ولماذا كل هذه الأسئلة في آن واحد؟
-لأني بكل صراحة لا أصدق ما تقولين.
-وهل صدّقت أنك حنبعل الذي مضى على مماته أكثر من اثنين وعشرين قرنا؟
-حتى هذا لم أصدقه.
-إذن كف عن التساؤل، وعش حياتك ككل بشر هذا العصر.
-لكني غير مرتاح تماما لوضعي. فأنا لا أعرف بالتدقيق من أنا، أشعر أني أسبح في فضاءات عديدة، وقد اختلطت عليّ الأزمنة والأماكن والعباد واللغات، حتى ذاكرتي أشعر أنها معطلة.
لم تجبه في الحين، ظلّت تنظر إليه تستقرئ ما يختلج في ذهنه من حيرة وضياع. فقد تبدّلت أساريره، وظهرت على وجهه مسحة من الحزن، فترك يدها وجمع يديه على صدره متحاشيا النظر إليها.
ربتت على ركبته وقالت:
-لا تحزن يا حنّبعل. عرفتك شجاعا، رصينا، تخطط بروية للخروج من الوضعيات الصعبة. ما لك تتصرف كالطفل الضائع؟
صرخ في وجهها سائلا:
-أريد أن أعرف أين أوجد الآن؟
-هل تتذكر مدينة قرطاج؟
ظلّ يفكّر لحظة، ثم قال:
-أتذكرها.
وانشغل بالصور التي صبتها عليه ذاكرته عن مدينة قرطاج العريقة المترامية الأطراف على ضفاف الخليج.
قطعت عليه تأملاته قائلة:
-أنت الآن في مكان لا يبعد كثيرا عن مدينة قرطاج.
ثم ظهرت فجأة شاشة افتراضية رسمت عليها خارطة لدولة قرطاج القديمة. أشارت المرأة لمكان في الخارطة وقالت:
-نحن هنا.
ذعر حنبعل في البداية لمّا ظهرت الشاشة تنيرها الأضواء، ولكنه سرعان ما انغمس يتثبت في الخارطة، ثم أعلن متعجبا:
-لا أتذكر هذا المكان جيدا.
-لا عليك فأنت في بلدك. هل هذا يريحك؟
-لكن أين أهلي؟ ولماذا حشرت مع هذا الخليط من الرعاع والعبيد؟