العرض
إنتاجات الهادي ثابت بيت الضيافة خوا طر الهادى ثابت ما نشر عن الهادي ثابت الإتصال بنا
إعلام
بحث
|
قصص - شهر البصل بغزة
شهر البصل بغزة منذ ما يقارب السنة وهذه الكرة المعدنية العظيمة راسية على سطح القمر. كرة بلون غبار تابع الأرض المشع في لياليها المظلمة، ولم يكن للأرضيين أن ينتبهوا لوجودها، ولا لبعض آلاتهم المتروكة هناك وهي تتآكل بفعل أشعة الشمس المحرقة وتغير المناخ بين الليل والنهار. إنها مركز الأبحاث المخصص لالتقاط اتصالات الأرضيين بسواتلهم المنتشرة في ضواحي الغلاف الجوي، والتي أخذت تتكاثر بصفة مهولة حتى أنه سيأتي اليوم الذي يدفعهم للتدخل لتنظيم هذا الفضاء، وتنقيته من النفايات الكثيرة وهي تحوم تائهة متبعة اتجاه دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس. وسكان هذه الكرة المعدنية المجهزة بكل التكنولوجيا المتطورة لسكان كوكب الطيور، زوج، أنثى وذكر من الطيور العملاقة، لم تر مثيلا لها الأرض إلا في بداية نمو الحيوانات العملاقة منذ أكثر من مائتي مليون سنة. في عصور كان فيها جنس الدينصور مهيمنا على بقعة الأرض التي انبثقت من تحت المياه التي كانت تعم كامل الكرة الأرضية. زوج الطيور هذا كان في مهمة من أصعب المهام التي تطوع للقيام بها علماء كوكب الطيور، إذ حددا لنفسيهما عملية فك رموز الوسائل التي يستعملها الأرضيون للتخاطب، والتواصل، وتخزين المعرفة. وقد بدأت أبحاثهم تثمر، وتوصلا إلى الدخول إلى سواتل الأرضيين ونقل الصور الصوتية والمرئية التي تنهال عليهما من الأرض. وبعد عناء، وتجارب مضنية، وتحاليل متقدمة، حصرا عددا من اللغات يستعملها الأرضيون في اتصالاتهم، وأدركوا رموز لغة الرياضيات التي استنبطها أهل الأرض، فأصبحت لدى علماء كوكب الطيور فكرة واضحة عن الكائن الحي العاقل الذي يسيّر دواليب الأرض، ويتحكم في مصيرها. وكانت تعليمات المجلس العلمي لكوكب الطيور صارمة: لا سبيل إلى الاتصال المباشر بالأرضيين كيفما كانت الأحوال. إلا أنّ زوج طيور القابع في هذه الكرة قرر أن يقوم بتجربة الاتصال بالأرض وذلك من خلال رسالة أولى تعطي معلومات مختصرة عن كوكبهم وعن الطير العاقل الذي يهيمن عليه. أنثى الطيور هي صاحبة الفكرة، فأخذت تحاول إقناع زوجها بها: - يا وسيم، هذه الرسالة سوف تكون بسيطة، لن نكشف فيها على أي من أسرار وجودنا قرب الأرض، وتعرف جيدا أنّ علم الأرضيين ما زال متخلفا، فلن يمكنهم الوصول إلى كوكبنا إلاّ بعد سنين عديدة. - لكن يا عليل هذا الاتصال لن يجدي نفعا، فأهل الأرض حسب ما نرى في الصور التي نلتقطها لن يصدقوا وجودنا، ثم ماذا سيجنيه اتصالنا مع كائن حي عاقل ما زال يعاني مشاكل كثيرة تعيقه عن التطور السريع؟ - يا وسيم، قلت لك مرات إنّ الأرضيين يسيرون في الطريق الصحيح نحو المعرفة التي ستؤدي بهم إلى فهم الكون، وربما يصلون إلى التحكم في وسائل النقل عبر النجوم فنكوّن معهم تعاونا مفيدا من أجل معرفة أوسع لهذا الكون الشاسع. - وهل تعتقدين أنّ قائد السفينة الفضائية يسمح لك بمخالفة تعليمات المجمع العلمي؟ - سوف أكتب الرسالة، ونعرضها على قائد السفينة. - افعلي ما دمت مصرة على الاتصال بهذا الحيوان النصف العاقل. - ولماذا هذا النعت يا نسيم؟ - لأنّ ما يفعله هذا الكائن الحي المهيمن على الأرض جنون. - ربما لو وقع الاتصال به لكف عن العبث بتوازنات الطبيعة على الأرض. - افعلي حبيبتي ما دمت مقتنعة، ربما يسعفك الحظ وتلتقين بهذا الكائن الذي والحق يقال لم تعجبني هيأته، ولا حتى لغاته الكثيرة. انزوت في عشها، وهو عبارة عن كرة مفروشة بالحرير، بها منفذ واحد يمكنها من الدخول إليها عند النوم أو الراحة، كما يحتل زوجها كرة أخرى على نفس الشاكلة، والكرتان معلقتان في سقف القبة العظيمة. وعلى جدران القبة توجد آلات الالتقاط، ومخابر الأصوات، والحواسيب المختلفة المكلفة بجمع وتخزين المعلومات. والربوطات المختلفة الأشكال المصخرة لخدمة الطائر العاقل. ولم يكن الطائر المتطور يستعمل الكتابة، بل كانت جل معلوماته مسجلة داخل آلات صغيرة يمكنها الخزن والقراءة، والبث، والإرسال. بعد ساعة من الانزواء، خرجت عليل ترفرف في جو القبة العظيمة، تزقرق: - يا نسيم ! يا نسيم! أين أنت؟ بعد لحظات خرج وسيم من عشه يزقزق: - ماذا جرى؟ لقد كنت غارقا في تحليل آخر رسالة استخرجتها آلاتنا من أحد سواتل الأرضيين اكتشفناه حديثا. إنه ساتل عنيد، يصعب الدخول إلى بنك معلوماته. - لقد أكملت الرسالة، وأريد قراءتها عليك قبل أن أطلب مقابلة قائد السفينة الفضائية. - اقرئي فأنا صاغ إليك. - "أيها الأرضي العاقل. أخاطبك من كوكب العصافير أحد كواكب ألفا قنطورس "أ"، وأنا المتعايشة، عصفورة كبيرة الحجم، يفوق حجمي أكبر الكائنات الحية عندكم، كما إني كائن راقي أستعمل العقل في حياتي مثل كل العصافير من جنسي. وجنسنا هيمن منذ فترة طويلة على كل الكائنات الحية في كوكبنا الذي ينتمي إلى مجموعة ألفا قنطورس ذات النجوم الثلاث، وهي تدور حول بعضها البعض حاملة معها عدد لا بأس به من الكواكب. ومجموعتنا هي أقرب النجوم إلى شمسكم، فنحن جيران، ونرغب لو نتعرف عليكم، ونعرفكم بكوكبنا، وعلومنا وطريقة عيشنا. إننا ننبذ العنف والهيمنة، ولا نرجو من هذا الاتصال سوى التعاون والتعارف." - ما رأيك يا نسيم؟ - هذه رسالة مقتضبة لن تفيد الأرضي في شيء. - لا تكون البداية طويلة ومملة يا نسيم. إنها كالطعم، فإذا ما أعجبت الأرضي، فسوف يرد عليها. وعندها ندخل في التفاصيل. - ولمن سترسلينها؟ - علمت أنّ للأرضيين مجلسا يضم كل دولهم الكثيرة. لذا سوف أرسلها إليه، وأترقب الرد. - وأين سيبعث بالرد إذا عنّ له أن يرد؟ - ساتلات الأرض كثيرة، سوف أختار أحداها إذا ما وافق قائد السفينة. لكن لن أقوم بهذا العمل قبل العطلة، فقد مضى علينا سنة أرضية ونحن مسجونين في هذه القبة. - وأين تريدين أن نقضي شهر الكسل؟ - هذا لا بدّ أن نفكّر فيه معا. بعد فترة من الصمت، سألته: - قلت أنك كنت غارقا في تشفير آخر رسالة قادمة من الأرض، ماذا تحتوي هذه الرسالة؟ - انتبهي ها هي الرسالة: "ماما هل تسمعينني... ماما هل تسمعينني..." - إنه صوت فتاة أرضية، لقد تعودت على نبرات أصواتهم. لكن ما هو محتوى الرسالة وأنت العارف بلغات أهل الأرض؟ - لا تستعجلي استمعي إلى البقية: بابا هل تسمعني... بابا هل تسمعني... - يظهر اختلاف في اللغة، لكن الصوت واحد. - بالفعل هناك اختلاف، فالنداء الأول بلغة ذلك الساتل العنيد وتدعى العبرية، والثاني بلغة قريبة من الأولى وتدعى العربية. عربية... عبرية... أظن أنّني لن أفهم هؤلاء الأرضيين رغم كل طموحاتي للاتصال بهم. ثم سألت وهي تمسح بريشها على منقارها: - وإلى من يتوجه هذا النداء؟ ولماذا يستعمل هذا الصوت لغتين؟ - حسب ما فهمت إنه نداء استغاثة، إنه على ما يبدو صوت طفلة فقدت أمّها وأباه، وهي تستنجد بهما ليحميانها من خطر ما. - عجيب كيف وصل نداء طفلة خارج الأرض؟ - لقد استعملت هذه الطفلة طريقة للاتصال يعتبرها الأرضيون متطورة. وهي تسمح بالتواصل عن طريق أحد الأقمار الاصطناعية المنتشرة حول الأرض. ظلّت واجمة فترة من الزمن، ثم سألته: - لماذا لا نقضي عطلة شهر الكسل على الأرض؟ زقزق زقزقة قوية تعبّر لدى الطير المتعايش عن الضحك، ثم قال لها ماسحا بريشه على ريشها: - أتمزحين؟ هل نسيت قوانيننا فيما يخص الاتصال بالأرضيين؟ - لم أطلب الاتصال بهم، قلت لو ننزل إلى الأرض، وأنا متيقنة أنه في إمكاننا ذلك دون أن يتفطن إلينا الأرضيون. - أعرف ذلك. - إذن، ما هي المشكلة؟ - قوانين المجمع العلمي يا حبيبتي. - لو طلبنا من قائد السفينة أن يراسل المجمع العلمي ويعرض عليه طلبنا في قضاء عطلة شهر الكسل على الأرض دون الاتصال بالأرضيين، وسننتظر رده. ما رأيك؟ - ولماذا ترغبين في النزول إلى الأرض الآن، وقد كنت تصفين الأرضيين بكل النعوت السلبية؟ - أقول لك بصراحة. الفكرة خطرت لي الآن وأنا أستمع إلى تلك الطفلة تستغيث. لو تمكننا من النزول إلى الأرض، ربما ننقذها. - نتقدم بالطلب إلى قائد السفينة وننتظر الجواب. بعد أن قدما الطلب، وجهت عليل ساتل خاص إلى القمر الاصطناعي الأرضي الذي التقطت منه آلة أهل كوكب الطيور النداء، وأخذت تبحث في المراسلات الواردة من الأرض على هذا الساتل، مستعينة بربوطات خاصة تمكنت من أن تحطّ على الساتل الأرضي. وبعد عمل مضني دام ساعات، جاءت عليل إلى عش زوجها نسيم، ترفرف بجناحيها مهللة بلغتها الغنائية. كان نسيم يغطّ في نوم عميق، مسحت على وجهه بريش جناحها الناعم، ولما أفاق، قالت له مهللة: - نسيم عزيزي، لقد تعرفت على صاحبة الصوت، إنها طفلة تستغيث بعد أن تهدم المنزل الذي تقيم فيه. قال لها متثائبا: - لا بدّ أنك تهذين، كيف توصلت إلى كل هذه المعلومات الدقيقة؟ - يا حبيبي، هذه الطفلة تمتلك جهازا أرسل إلى الساتل صورا مع صوتها، وقد أجابتها أمها، ورأيت صورتها وهي تبكي، كما رأيت صورة المكان الذي توجد فيه الطفلة تحت الأنقاض. - إنها حكاية طريفة، ألا تكون من صنع خيالك؟ رفرفت في فضاء الغرفة، وقالت: - إذا لم تصدقني لتأت معي إلى مخبر الصور، سوف أريك كل ما تحصلت عليه من ساتل الأرضيين. لحق بها، ولمّا وصلا القاعة الكبيرة للعرض، حطّا في مكان أمام آلة سرعان ما أخذت تبث لهما صورا قادمة من الأرض. لم تكن الصور واضحة لكنّ صورة المرأة وهي تنتحب ملأت الشاشة، وسمعا صوتها الحزين يقول كلاما متقطعا. سألت عليل زوجها: - هل فهمت ما تقوله المرأة؟ خرج مسرعا، ثم عاد وهو يحمل تحت جناحه آلة صغيرة، وضعها بينهما، فأخذت تترجم لهما حديث الطفلة مع أمها: - لا تخافي يا سارة، سوف يأتي رجال الإسعاف وينقذونك، أين هو أبوك؟ جاء صوت الطفلة ضعيفا: - خرج منذ الصباح ليبحث لنا عن طعام نسدّ به الرمق، كل شيء حطمته القنابل هنا، ولم يعد عندنا لا ماء ولا طعام، وها هو البيت قد وقع على رؤوسنا. زعقت الأم فازعة: - وأين أختيك فاطمة وندى؟ - لقد سقطت عليهما إحدى سرايا البيت فوقعا على الأرض، ولم أقدر أن أنجدهما، أظنهما ماتا، لأنهما لم يرفعا صوتا منذ أن تهدم البيت. كانت الصورة معبرة، قالت عليل لنسيم: - لقد انقطعت الصور، لكنّي تعرفت على المكان الذي قدمت منه. - جميل، سوف نقضي فيه شهر الكسل إذا ما وافق المجمع العلمي على طلبنا. - هذا ما كنت أفكّر فيه عندما أنهضتك من نومك. بعد يومين أرست على القمر مركبة صغيرة نسبيا، التحمت بالكرة المعدنية، واندفع منها طير ضخم تحلي ريشه ألوان زاهية. استقبله زوج الطيور بزقزقة مطربة، ثم تقدما به إلى قاعة كبيرة. حالما حطّ على أرضية القاعة، قال لهما بلغة طيور ألفا قنطورس: - ابشرا فقد وافق المجمع العلمي على طلبكما، ستكونان أول طيور ألفا قنطورس تطأ أقدامها سطح كوكب الأرض. انطلقت نوبة من تغريد العصافير تعبّر عن الفرحة العارمة التي دخلت قلبي زوج الطيور. قال لهما الطير الضيف: - هيا بنا إلى السفينة فالقائد في انتظاركما. حلا بالسفينة، فاستقبلتهما سيمفونية من زقزقة العصافير العالمة، والتفت حولهما الطيور ترقص. بعد أن هدأ الجميع تقدم منهما طائر عظيم بريش برتقالي جميل، وقال لهما بلغة عصافير ألفا قنطورس: - إنه لشرف عظيم أن تكونا أول الكائنات العاقلة من ألفا قنطورس التي تحل بهذا الكوكب الجميل. أنتما سعيدان بهذا الشرف، ونحن سعداء بكما. لكن عليكما أن تلتزما بشروط المهمة التي اخترتما أن تقومان بها. ستكون منحصرة في قضاء عطلة شهر الكسل. ستتخليان عن البحث، وعن التفكير في شؤون الأرضيين، وعن الاتصال بهم كيفما كانت الظروف. ولن يكون في مقدوركما أخذ عينات أو تسجيل صور أو الاعتراض لأي آلة من آلات الأرضيين. أكرر أنّ مهمتكما هي الخلود إلى راحة العقل والجسد. هل من اعتراض على ما قلته؟ تقدمت منه عليل بخطوات مترددة، أحنت رأسها أمامه، ثم لحظته بنظرة معبرة من عينيها الجميلتين، وبعد فترة من الصمت والكل ينتظر ما ستقوله، انبعثت من منقارها القرمزي زقزقة لطيفة: - أرجوك أن تبلغ شكري للمجمع العلمي لما حبانا به من شرف، لكن هل يلبي سيدي القائد طلبا لا أظنه يتعارض مع حدود العطلة التي سنقضيها على الأرض. إني أرغب سيدي لو أواصل البحث عن هذه الطفلة الذي التقطنا نداءها منذ أيام قليلة. سألها القائد بزقزقة حادة: - وما الداعي وراء هذا العمل؟ أسرعت تجيب: - إنها غريزة الأمومة يا سيدي استولت علي حالما سمعت تلك الطفلة تستغيث. - وماذا يمكنك فعله في عالم لا تعرفين مقاييسه؟ - ربما أصل إلى إنقاذ حياتها، وإذا ما أسعفني الحظ أن أعيدها إلى أمّها التي رأيتها في الصورة تتعذب لوعة على أطفالها. - هذا عمل نبيل، لكنه يمكن أن يعرضكما إلى المخاطر، وتعرفين جيدا أنه ليس مسموحا لنا أن نعرض حياتنا إلى التهلكة. - أعدك يا سيدي أننا لن نقوم بأي عمل متهور. ظلّ ينظر إليها وقد خيم في القاعة الكبيرة صمت رهيب، ثم قال بصوت خافت: - لن أعترض على مسعاك، لكن أكرر مرة أخرى الحذر ثم الحذر، فمعلوماتنا عن الأرضيين تقول إنّ هذا الحيوان العاقل شرس، عنيف، ويهوى القتل. قامت في القاعة نوبة من الزقزقة عربونا عن سرور العصافير العالمة بما توصلت إليه زميلتهم بإقناع قائدهم. لكن القائد عاد يقول بنغمة الآمر: - أخذنا كل الاحتياطات حتى لا تتعرضا إلى أي خطر. فقد توصل أحد زملائكما إلى تحضير سائل يجعلكما غير مرئيين من قبل الأرضيين، سوف تطلون به جسديكما قبل أن تركبا الحاوية التي خصصناها لنقلكما إلى الأرض. كما إننا سنرسل معكما طاقما من الربوطات المجهرية مبرمجة لتلبية كل رغباتكما على الأرض، وحمايتكما عند وقوع أي خطر، وبالطبع يمكنكما استعمال الحواسيب التي هي داخلكما للاتصال بنا عند الحاجة، أو لطلب المعلومات من الحاسوب المركزي المخصص لمعرفة الأرض والأرضيين. قام بحركة بجناحية، انطلق على إثرها العصفورين الموعودين بقضاء شهر الكسل على الأرض. حلقا في سماء القاعة المقبب يلوحان لزملائهما، ثم اندفعا خارج القاعة متجهين إلى محطة الإطلاق فوجدا أحد المشرفين عليها، يقف على ساقيه، يلف جناحيه الطويلين بألوانهما الزاهية، يترقبهما وهو يفتح منقاره القرمزي ليقول لهما: - لقد هيأنا لكما كل الظروف لسفرة مريحة، هل اخترتما المكان الذي ستنزل به الحاوية؟ فتحا جناحيهما يرحبان به، ثم انتصبت أمام الطائر العظيم شاشة افتراضية عليها خريطة كبيرة لنصف الكرة الأرضية الشمالي بألوانه الزاهية يسودها لون البحار اللازوردي. أشار نسيم بعينيه إلى مكان في الخريطة المعلقة على الشاشة فتبدل المشهد وانتصبت على كامل الشاشة بقعة صفراء تمثل صحراء الشام القاحلة تنتشر على امتدادها الحصباء. ظل المشرف على المحطة الإطلاق يتفحص الصورة بانتباه، ثم قال: - اغطسا في هذا الحوض ليطلا جسديكما بهذه المادة العجيبة. بعد إن خرجا من الحوض، اقتربا من المشرف الذي لم يلحظ وجودهما إلا عندما سأله وسيم: - ماذا سنفعل الآن؟ زقزق المشرق ضاحكا، ثم قال: - إني لا أراكما بتاتا. على كل هذه حاويتكما تمددا داخلها فسوف تغلق تلقائيا، وتنطلق بكما إلى الغلاف الجوي. لا تخشيا شيئا فهي مصنوعة من مادة تتحمل الحرارة الناتجة عن الاحتكاك بالغلاف الجوي، كما سوف تحط على الأرض بلطف لأنها تحمل مظلة تنفتح حالما تقترب من الأرض. كل شيء مبرمج لتصلا إلى مكان عطلتكما سالمين. شكراه، وتوجها إلى الحاوية، وهي عبارة عن تابوت كبير يشبه تابوت الفراعنة، وفي مقدمتها شكل مخروطي، وفي مؤخرتها ذيل كبير كذيل البلين. وما إن أغلق الباب حتى اندفعت الحاوية بقوة نحو غلاف الأرض الجوي. ولم يدم اختراقهما لجو الأرض طويلا، فقد هبطت الحاوية بعد أن انفتحت في أحد منافذ سطحها مظلّة كبيرة ساعدتها على أن تبقى معلقة في الفضاء فترة حتى تمّ هبوطها تدريجيا. غادر الطيران العظيمان الحاوية، نفضا ريشهما، واستقرا على الأقدام ينظران في كل الاتجاهات. كان المكان خاليا من كل حركة وكانت السماء صافية والشمس مشرقة والأرض القاحلة مرصعة بحصباء صهباء مغروسة داخل رمل متصلب. لم يشعرا بحالة الجو من حولهما. ولكنهما سمعا حفيف الهواء يشق صمت الصحراء. بعد فترة من الذهول جرت أنثى الطيور المتعايشة إلى رفيقها وضمته إليها وظلت تمسح بمنقارها على ريش رقبته المزركش، ثم همست له: - إني حقا سعيدة لوجودي في هذا الكوكب العجيب. رغم هذه الأرض القاحلة فجمال المكان خلاّب. همس لها وهو مستسلم إلى لمسات ريشها ومنقارها: - لا بدّ أن نخفي الحاوية، وننطلق نحو المكان الذي سنقضي فيه عطلتنا. - ألم تقل أنّك رصدت كهفا؟ أين هو؟ انتصبت أماهما شاشة افتراضية، ونظرا مليا إلى كامل المكان بكل تفاصيله، وإذا بها تقول له بصوت خافت: - ها هي الهضبة. أجابها مشيرا إلى المكان: - وها هي المغارة. المعلومات التي مدنا بها الحاسوب صحيحة مائة بالمائة. لنحمل الحاوية بين جناحينا ولنطر بها إلى المغارة. كان للحاوية عروتان، تأبط كل منهما عروة تحت جناحه وانطلقا يرفرفان كل بجناحه الآخر إلى أعلى الهضبة حتى المغارة حيث وضعا عند بابها الحاوية، ثم أخذا يدفعانها إلى أن اختفت في أعماق المغارة. خرجا من المغارة ونفضا الغبار الذي علق بأجنحتهما، ثم حطّا أمام باب المغارة يراقبان المكان. قال ذكر الطيور المتعايشة: - لا بدّ من سدّ المغارة حتى لا يأتي أحد الفضوليّين ويكتشف الحاوية. - لنحمل هذه الصخرة إنها تسدّ باب المغارة بالتمام. اقتربا من الصخرة وظلا يدفعانها حتى باب المغارة. أحكما سد الباب، ثم عادا ينفضان أجنحتهما، وحلّقا في السماء عاليا، فظهرت لهما الأرض الصهباء بكل تضاريسها وسهولها. اقترب نسيم من قرينته وقال لها بصوت مرتفع: - يبدو أنّ الهواء هنا خفيف، وضغط الجو غير مرتفع، إني لا أحس بحركاتي، وكأنني مدفوع بقوة خارجة عن عضلاتي. - وأنا كذلك، هذه السماء الزرقاء روعة يا نسيم. - هل ننتقل الآن إلى مكان إقامتنا؟ - وماذا يبقينا في هذه الصحراء القاحلة؟ اندفعا يحلقان في الجو، وهما يراقبان الأرض من عليائهما، لم تكن تقف أمامهما حدود، ولا جمارك، ولا رادارات، لكنهما لاحظا بنايات صغيرة، فخفّضا في ارتفاع طيرانهما حتى ظهرت لهما البنايات حولها الجنود بأسلحتهم. توقّفا في الفضاء لحظة يمعنان النظر في هذه المخلوقات الملفوفة في أزياء بلون بني داكن تظهر على وجوهم التعاسة. سألت المتعايشة رفيقها: - أهذا هو الأرضي الذي نتحدث عنه منذ زمان؟ - هو ذاك يا حبيبتي. - إنه حقا لغريب، وهل أنت متأكد أنّ هذا الحيوان البدائي يمتلك عقلا؟ - هل تريدين أن نحطّ قريبا منه؟ سوف ترين أنه يستعمل اللغة للاتصال، ويتحكّم في الآلة، وفي بعض الحيوانات الأخرى المقيمة على الأرض. - إنه حقا مخيف رغم ضموره. - لنتقدم إلى مقر إقامتنا، سوف تتعودين على هذا الحيوان الذي يدعو نفسه إنسانا. - ولماذا هذه التسمية؟ - تعلمت الكثير عن الأرضيين، فقد دخلتْ حواسيبُنا وسائلَ اتصالهم ونقلت لي عن هذا الكائن الغريب كثيرا من المعلومات. - لا أريد منك محاضرة، أجب عن سؤالي: ما معنى إنسان عند هذا الحيوان؟ - إنسان هو ما يؤنس إليه أي ما يستطيب العيش معه. والإنسانية هي تلك المجموعة من الحيوانات الراقية، إذ هي تستعمل العقل لتصريف شؤونها... - ألم أقل لك إني لا أريد محاضرة؟ وهل نسيت أني في شهر الكسل، لقد أردت التخلي عن عمل الفكر. هذا الحيوان يسمي نفسه إنسان، يعني أنه يأنس لبني جنسه. أليس هذا ما أردت قوله في محاضرتك الطويلة العريضة عن إنسانية الحيوان العاقل للأرض؟ - ليكن ذلك. لكن ما علمته أنّ هذا الحيوان الذي يدّعي الإنسانية، أي التحابب والتوادد، يقوم بعكس ذلك تماما. - هذا ما تعلمتَه من الحاسوب، دعني أرى نموذجا من هذا الإنسان، وسوف أحكم بنفسي. - ها قد وصلنا إلى البحر، أنظري ما أجمله ! - روعة حقا ! لكن ما هذه الآلات المخيفة التي تتنقل بسرعة على سطحه، أليست نوعا من الحيتان؟ - لنقترب منها ونرى. - إنها من المعدن، إنها آلات يسكنها نفس الحيوانات التي رأيناها على مشارف الصحراء ملتفة في أزياء داكنة وتحمل آلات غريبة يا نسيم. - تلك الآلات هي أسلحة للقتل. - قتل من؟ - إنّ هذا الحيوان الذي يدعي العقل، كرس حياته لقتل الحيوانات الأخرى وخاصة قتل أخيه الإنسان. - في البحر؟ - في كل مكان. إنّ هذا الحيوان الذي ينتمي إلى جنس واحد، منقسم إلى فرق وملل، وكل فرقة تريد الفتك بالأخرى. لذلك طوّر أسلحة للقتل وتدمير أخيه أكثر ممّا طور آلات ليتقدم ويفهم الكون. - عدت إلى محاضرتك، ألا تفهم أننا في شهر الكسل يا نسيم. أريد الوصول سريعا إلى المكان الذي انطلقت منه نداءات تلك الطفلة يا نسيم ! بعد فترة وجيزة من الطيران السريع، أعلن وسيم: - لقد وصلنا إلى غزة. - هذه هي غزة؟ ! حطّا على شجرة عالية وظلا ينظران في كل الاتجاهات. قال نسيم وقد انتصبت أمامهما الشاشة الافتراضية: - هذا الشريط من الأرض الخضراء القريب من الأراضي القاحلة ويشرف على البحر يدعى غزة عند الأرضيين. ونحن سنقيم في مدينة غزة لا أعرف أين بالضبط، لكننا سنقوم بجولة في كامل الشريط ونبحث عن مكان يسمح لنا بقضاء شهر الكسل نراقب فيه هذا الحيوان الغريب الذي يسمي نفسه إنسانًا. - انظر يا نسيم هذه الأدخنة المتصاعدة من ذلك المكان، هل هناك حريق؟ - لا داعي للخوف، لسنا في كوكبنا، ولا نملك أي وسيلة لنجدة أي كان، ألم تقولي إننا في شهر الكسل؟ إذن المبدأ الأول الذي ليس لنا أن نحيد عنه هو عدم التدخل في شؤون الأرضيين. أليس كذلك؟ لم تجبه، بل انطلقت تحلق عاليا نحو مصدر الدخان، فتبعها مستغربا تصرفها. لمّا لحق بها سألها: - إلى أين تطيرين؟ - إلى مصدر الدخان، ربما يكون بركانا؟ - لا تكوني سخيفة، لقد درست المكان جيدا، هذه المنطقة ليس بها براكين، ولا زلازل، إنها من أقدم مناطق الأرض التي سكنها الأرضي المتحضر. واصلت طيرانها وهو وراءها يسعى لإقناعها بالعدول عن الطيران قريبا من المدينة التي كانت الأدخنة تعلوا من أماكن عديدة منها. عندما أخذا يحلقان على علو منخفض لاحظا الحركة الدؤوب التي تنتشر في المدينة، والأدخنة المتصاعدة من هنا وهناك، والنيران التي تلتهب في بعض البنايات، وسيارات الإسعاف في عويلها. لاحظا شجرة عاتية ترتفع في إحدى الهضاب، فالتجآ إليها وحطا على أحد أغصانها المترامية. اقتربت أنثى الطير المتعايش من رفيقها ولفته بجناحيها الهائلين وهمست له: - إني أشعر بالاختناق في هذا الجو الغريب. - وأنا كذلك يا عزيزتي. هذه الحالة لم يرشدني إليها الحاسوب الذي كلفته بجمع المعلومات عن الأرضيين. قال لي إنّهم يستعدون للاحتفال برأس السنة، ربما يكون من عاداتهم الاحتفالية أن يحرقوا ويدمروا ويروّعوا بعضهم البعض. - لكن يمكن أن يتأذوا من هذه الألعاب السخيفة ! - ألم نتفق أننا لا نتدخل في شؤونهم؟ - بلى، لكن الخوف شعور لا يمكننا التحكم فيه. - لنعتبر أنهم يحتفلون، وأنّ ما يقومون به هو نوع من الألعاب المرعبة، فلنتفرّج وكأننا نشاهد شريطا من الرعب. ظلّت تضمه إليها وتمسح على ريشه وتداعب منقاره القرمزي. ثم همست: - إذا كان الأرضيون على هذه الحالة من الهيجان، فلن يكون شهر الكسل ممتعا لنا. - لكنه قد يكون مفيدا، وعلى أيّ حال، فهذا الأرضي ما زال متخلفا. هل يعقل أن يحتفل حيوان يمتلك العقل بهذه الطريقة؟ بعد فترة من الصمت سألت بصوت خافت: - ألا يوجد مكان هادئ نرتاح فيه قليلا بعيدا عن هذا الضجيج المرعب وهذه النيران والأدخنة؟ - هل تريدين أن نعود إلى البحر؟ - ألم تر تلك الآلات المرعبة التي تقذف المدينة بنيرانها؟ - لنعد إذن إلى الصحراء ! - تلك الأرض القاحلة التي غابت عنها كل الكائنات الحية تشعرني بالوحشة. ألا يوجد غابات في هذه الربوع؟ عادت الشاشة الافتراضية وانتصبت عليها خارطة المنطقة. صرخت وهي تشير بعينيها إلى بقعة في المدينة تنتشر فيها الخضرة وتقل فيها مباني السكن: - ها هي غابة صغيرة في وسط المدينة غير بعيد عن مسكن الحيوان الإنسان ! - يقول الحاسوب إنّ هذا المكان يسجن فيه بعض الحيوانات من مختلف الأجناس. - غريب هذا الحيوان العاقل، لماذا يسجن الحيوانات غير العاقلة؟ - لست أدري، تعرفين أنّ ثقافتي الأرضية ما زالت في بدايتها، لكن لنلقي نظرة على المكان. غادرا الشجرة العاتية في أحد الهضاب القليلة بشريط غزّة، وتوجها إلى المكان الذي حددته الخارطة على الشاشة الافتراضية على أنه حديقة الحيوانات، أو بالأحرى سجن الحيوانات. وكانا يطيران في علو كبير حتى يتجنبا القنابل المتساقطة على المدينة من كل الجهات، برا وبجرا وجوا. شعرا حقا بالخطر وهما يتجنبان تلك القذائف المدوية وهي تشق الجو، ثم تنزل على البنايات تفجرها وتحولها إلى حرائق، وأدخنة، وغبار متصاعد، وحجارة منفجرة، وتفتّتها إلى قطع من الحديد والإسمنت تتلاشى في الأرجاء. كان حقا مشهدا مرهبا أدخل في قلبي الطيرين المسالمين الرقيقين المتحضرين رعبا لم يعرفاه في حياتهما المتطورة البعيدة عن العنف، وعن الحرب، وعن الهيمنة. ظلا في السماء ما استطاعا بعيدا ينظران بقلق واستغراب إلى كل هذه الهمجية حتى هدأت الأجواء، وتوقف القصف. كانت عليل أنثى الطائر الراقي في حالة من التوتر والخوف لا توصف، لكن زوجها اقترب منها ونظر إليها بعينيه اللازورديّتين، وهمس لها: - لا تخافي يا عزيزتي، فلن يمسنا سوء من هذه الألعاب الرهيبة المتخلفة، نحن لا نُرى، ويمكننا الطيران إلى أبعد ما تقدر عليه تلك الطيور المعدنية البدائية. لنطر إلى تلك الحديقة ولنزر السجناء غير العاقلين. يبدو أنّ فاقدي العقل في راحة. انطلقا يطيران في علو شاهق، متّبعين ما رسمه لهما الحاسوب المجهري المغروس في دماغيهما. وكانا يسمعان من بعيد عويل سيارات الإسعاف، وينظران إلى الدخان والغبار واللهب تتصاعد أعمدتها في أماكن عديدة من المدينة. مشهد مرعب لم يتعود عليه زوج الطيور المتعايشة رغم كل ما حاولا الاقتناع به من أنّ كل ذلك ليس سوى لعب خشن ومتهور. لمّا لمحا حديقة الحيوانات نزلا إليها بسرعة وحطا على شجرة عالية مورقة. كان السكون يعمّ المكان، بينما يصل من بعيد عويل سيارات الإسعاف، وكانت الحيوانات في أقفاصها مستسلمة للراحة غير مبالية بالألعاب الخطيرة التي يمارسها أصحاب العقول. وكان الزوار قد هجروا الحديقة، ولم يعد بإمكان الأطفال النزهة بين أروقتها واللهو مع حيواناتها، ومداعبتها بإهدائها بعضا من الطعام، عربونا عن المودة، وربما لا شعوريا، تواطؤا مع حالهم كسجناء العقل البشري. ولأنّ الأطفال قد أصابهم الهلع، التجؤوا إلى أماكن كانوا يعتقدون أنها آمنة من الألعاب النارية التي تقذفهم بالحمم. ولم يصدقوا أنّ الكبار يهدمون على رؤوسهم البيوت، فهم في حماية هؤلاء الكبار الذين ما فتئوا يهدونهم إلى المعرفة والحكمة. أيعقل أنّ حكيما يهدم المنازل على رؤوس الأطفال؟ لكنّ هذا السؤال الذي خامر كم من طفل أرهبته القنابل المتساقطة على رأسه، لم يجب عليه الكبار أصحاب العلم والحكمة. وما الداعي للحيرة ما دام هؤلاء الأطفال سيكبرون ويحقدون ويرهبون كما هو حال آبائهم ! لكنّ زوج الطيور القادم من نظام ألفا قنطورس لم يكن لديه علم بهذه الجزئيات التي لم تعطها حواسيبه أهمية كبيرة. فلا توجد أي إشارة إلى الحيوانات المسجونة في قاعدة المعطيات في أي حاسوب من حواسيب الأرضي المتحضر. كما إن حواسيب المتعايش لم تعثر على معلومة تفيد أنّ أهل غزة يعاملون من قبل العالم وكأنهم في حديقة حيوانات كبيرة. يعاقبون بالقنابل عندما يحاول أحدهم الصراخ أمام سجانه، ويعاقبون جماعيا، المفترس والطير الوديع والطفل البريء. هذه ثقافة الحيوان الراقي العاقل. ولم يستطع الطائر المتعايش القادم من مجموعة ألفا قنطورس ذات النجوم الثلاثة أن يتحصل على هذه المعلومات التافهة حسب تفكير العقول الراقية التي تسعى لاكتشاف الكون والهيمنة على النظام الشمسي وإخراج الماء المتحجّر من تحت صخور كوكب المريخ ! فغزّة وأهلها بطمّ طميمهم، بأطفالهم ونسائهم وحيواناتهم المسجونة والحرة والأليفة، لا تساوي شيئا أمام الألعاب النارية التي يتفنن في صنعها وتطويرها واستعمالها في مكانها وغير مكانها هذا الحيوان الراقي ذو العقل المتطوّر ! ظل الطيران الراقيان فترة من الزمن يستريحان على أغصان الشجرة العظيمة، ولم يحركا ساكنا، ولم يسعيا للتعرف على المكان، استسلما لراحة تامة، بعدما أحسا بإرهاق كبير جراء أتعاب السفر، والضغط الكبير الذي مورس عليهما وهما يشاهدان لأول مرة في حياتهما كل ذلك الجنون الخطير. ناما طويلا، ولمّا أفاقا كان الليل يهيمن، والظلام يسدل ستارا من "الغازي"[1] الأسود. كانت الحديقة في الماضي تنار في الليل، لكن العقاب الجماعي للشرعية الدولية جعلها مظلمة منذ أمد طويل. ولعلّ الحيوانات السجينة تتساءل، في قرارة نفسها، ما ذنبها حتى يعتّم سجنها، خاصة أنها لم تمارس أي إرهاب في حياتها السجينة ! ولم يشتك لا الزوار ولا السجانون من تصرف إرهابي لأي حيوان كان ! أفاقت في البداية عليل أنثى الطائر الراقي، رفرفت بجناحيها في الهوى ونما لذلك الخفقان صدى في أرجاء الحديقة، فنهض الديك المصري يؤذن، ونبح الكلب الألماني بصوته الخشن، ونهق الحمار الأطلسي يبكي على ثلوج جباله في هذا الفصل الذي تعوّد فيه الخلود إلى الراحة لأنّ صاحبه البربري لا يمارس عليه هوايته المفضلة، وعوى ذئب الألب صارخا: أبناء الوطن لقد حل يوم النصر... ونمت في الحديقة تلك الحالة التي يدعوها أعلم علماء الأرض العاقل، وهم علماء النفس، بأنه التصرف الأعمى للمجموعات سواء كانت حيوانية أم بشرية. فزعت لكل هذا الضجيج عليل. فالتفت بنسيم تعانقه وتهمس له مرتبكة: - ماذا حصل؟ - لست أدري، ربما تكون الحيوانات قد نهضت. لكن لم يمض بعض الوقت حتى جاء صاروخ يولول شاقا الفضاء مزمجرا، وهوى غير بعيد من حديقة الحيوانات. مما أثار حركة في الحديقة غير عادية جعلت الأسد يزمجر وهو يغدو ويروح داخل قفصه بجانبه لبؤته تهدئ من روعه، والفيل يحاول ما استطاع تخطي الحواجز المنصوبة حول سجنه، وثارت غزلان الصحراء وارتطمت بالحديد المشبك الذي يمنعها من الهروب الطبيعي. كان الهيجان لدى الحيوانات كبيرا، لكنّ الخوف الذي عمّ زائري الحديقة من مجموعة ألفا قنطورس ذات النجوم الثلاثة كان أكبر. فعادت أنثى المتعايش تلتف برفيقها وتهمس له: - هل فهمت ما حدث؟ - أظنّ أنّنا لن نفهم هذا الكائن الغريب. وعاد الهدوء إلى الحديقة، ورجع كل إلى نومه. فمن مزايا الكائنات الحية على الأرض النسيان. وهدأت عليل، والتفت حول عنق عشيقها واستسلمت إلى نوم عميق، نهضت منه عند بزوغ الفجر، عندما صدحت أصوات المؤذنين في جوامع غزّة الكثيرة معلنة صلاة الفجر. نهضت مضطربة، وهمست إلى نسيم: - ما هذا النداء؟ أفاق نسيم وأصغى للنداء، ثم قال لرفيقته: - ربما يكون إعلان نهاية احتفالات عيد رأس السنة؟ ترقبا حتى انتهى النداء، ولم يحدث شيئا يعكّر خلود المدينة إلى الراحة من عناء يوم مليء بالمآسي، والجراح والموت المنتشر في أماكن متفرقة منها. استخلص نسيم: - لا بدّ أنّ جنون الأرضيين قد توقف. لنخرج إلى طبيعة هذه الأرض الخلابة، إني أتوق إلى ذلك البحر اللازوردي الأخاذ. تذكّرت عليل صورة الطفلة المستغيثة، فقالت لزوجها بصوت مرتبك: - لقد نسيت الطفلة يا نسيم ! - أي طفلة؟ - تلك التي رأيناها تستغيث بوالديها. - تذكرت، كيف نسيناها يا عزيزتي؟ إنّ جنون هذا الحيوان العاقل أفقدنا التركيز. لا بدّ أن نجدها قبل أن نخلد للراحة والكسل. - وهل لديك فكرة عن المكان الذي توجد فيه؟ انتصبت أمامهما خارطة على شاشة افتراضية، وظلا يحدّقان فيها حتى تمكنا من تحديد المكان. بعد أن سجل الحاسوب المغروس في الدماغ لديهما، انطلقا يطيران بسرعة حتى ظهر إليهما بيت مهدم تطوقه بيوت مهدمة. قال نسيم: - هذا هو البيت حسب تعليمات الحاسوب، لكن كيف يمكننا الدخول إليه؟ بعد تفكير عميق، قالت عليل: - سأطلب من ساتل الأشعة أن يرسل ذبذبات إلى هذا المكان لتؤكد لنا هل يوجود حياة تحت الأنقاض. وبعد فترة زمنية قصيرة جاءها الردّ بالإيجاب. قالت لزوجها مزهوة: - لا زالت الطفلة على قيد الحياة. - جيد، لا بدّ من إخراجها قبل أن تفقد الحياة. - لكن كيف؟ بعد تفكير عميق، قال لها وقد لمع في عينيه بريق الأمل: - سأخاطب قائد السفينة وأطلب منه إرسال فرقة من الربوطات العملاقة المكلفة بحفر الأنفاق. - لا تنسى أن تطلب منه طليها بالمادة المعتمة. ولم تمض ساعة عن المكالمة بين نسيم وقائد السفينة حتى حطت في المكان كرة معدنية غير مرئية شعرا الطيران بوجودها تتدحرج مخلفة آثارا على الغبار. كانت الكرة مطلية بذلك السائل المعتم. وبدأت الأشغال، وتناثرت الحجارة والتراب والإسمنت والحديد على اليمين والشمال. وما هي سوى ساعة حتى خرجت من تحت الأنقاض طفلة في العاشرة من عمرها، رثة الهندام، أشعثة الشعر، يكسو وجهها وكامل جسدها الغبار. ظلت تنظر في كل الجهات كالمعتوهة، وظل زوج طيور ألفا قنطورس يراقبانها بانتباه شديد. بينما كانت الكرة الغير مرئية تتنقل ببطئ تاركة آثارها على الغبار المنتشر أمام أكداس الأنقاض لتغادر الأرض بنفس السرعة التي قدمت بها. همست عليل إلى زوجها: - لا بدّ أن نحملها إلى مكان تجد فيه المأكل والمشرب. اختفت الطفلة خلف كدس من الحجارة، لكن الطيرين كانا يتبعان حركاتها. أخرجت من جيب سروالها هاتفا محمولا، وأخذت تهمس: - ماما هل تسمعينني؟ - ... - لقد خرجت من الخراب، ولست أدري كيف. ولا أعرف أين أروح. - ... - المستشفى بعيد ولا يوجد وسائل نقل. - ... - لا يوجد أحد في هذا المكان. لقد هجر السكان الحي. همست عليل إلى زوجها: هل تفهم ما يقول الطفل؟ - لقد التقط الحاسوب داخلي المكالمة، وسوف يترجمها لي بعد حين. أخفت الطفلة جهاز الهاتف، وانطلقت في اتجاه الشرق. تبعاها الطيران. بعد فترة همس وسيم لزوجته: لقد خاطبت الطفل أمها بالعبرية، وأجابتها أنها حاولت الوصول إليها لكنهم منعوها، وطلبت منها أن تتوجه إلى اقرب مستشفى في المكان. همست عليل إلى زوجها: - هل لديك فكرة عن مكان المستشفى؟ - إنه بعيد بالنسبة لهذه الطفلة المرهقة. - تثبت من مكانه، لنحملها بين جناحينا إليه. ثم اقتربا من الطفلة ولفاها بجناحيهما الطوال، واندفعا بها وهي ترتجف لا تدري إن كان عليها الصراخ أم الصمت. لكن جزعها لم يطل كثيرا، فقد وضعاها بلطف غير بعيد من المستشفى، وظلا يراقبانها، وهي تهرول إلى باب المستشفى. عادا إلى حديقة الحيوانات، وانزويا على أحد أغصان الشجرة التي اختاراها لتكون مقرا لهما لقضاء شهر الكسل. ومضى أسبوع وهما مستسلمان للركود الذهني والجسدي. حتى الأكل والشرب استغنيا عنهما. واقتصر نشاطهما على مشاهدة الحيوانات تعيش تعاستها. حبس، وقلّة أكل، وسوء معاملة، وانعدام الرعاية الصحية. لكن كلما تحدث نسيم عن هذه الأشياء، إلاّ وذكرته عليل بالتزامه اللامبالاة، وعدم التدخل في شؤون الأرضيين. حتى ما يسميانه ألعاب الهمجية التي تواصلت بحدّة، لم تعد تثيرهما، فكل القذائف التي مرت من فوق شجرتهما تلاشت قبل أن تصيب هدفها. ذلك هو شهر الكسل المنشود ! شعار بسيط: "أخطى رأسي واضرب". لكن في الأسبوع الثاني لشهر الكسل، نهض نسيم باكرا، وأخذ يزقزق زقزقة جميلة أطربت حيوانات الحديقة المساجين، وانتشرت في الفضاء وعمّت المدينة. وسرعان ما أسرع سرب من الطائرات يحوم على ارتفاع منخفض يقترب شيئا فشيئا من الحديقة. لاحظته عليل فاضطربت ومسكت منقار رفيقها تسكته. ولم تمض بعض الدقائق حتى سمعت انفجارات متتالية غير بعيد من الحديقة، مما أفزع الحيوانات فاهتاجت في أقفاصها، وارتفع صراخها، وجرى حراسها في كل مكان فزعين، لا يلوون على شيء خوفا من القنابل المتساقطة غير بعيد من الحديقة، ينظرون إليها تهوي على المنازل المجاورة، ويسمعون انفجاراتها تدوي في أرجاء المدينة. وتفاقم هيجان الحيوانات، فمنها من توصل إلى التخلص من سجنه فاندفع يركض في كل الاتجاهات، ومنها من بقي يحاول حتى تحطمت أطرافه، فظلّ صريعا يصرخ صراخ المستغيث، ومنها من قتل صغاره وانتحر صادما رأسه على جدران سجنه. حالة يقول عنها أعلم علماء الأرضيين إنها حالة الجنون الجماعي الخلاق، لأنها حسب علمهم الراسخ لن تفضي إلاّ إلى عالم جديد يكون قد تخلص من أردان الماضي ومآسيه. وسوف تجد الحديقة سكانها وقد تطهروا من بعض مقيميها الذين قد عشش في أدمغتهم التطرف والإرهاب وكره الآخر. حيوان جديد سيولد ويكون وديعا، مطيعا، ديمقراطيا. ظلّ الزوج المتعايش في حيرة وارتباك فترة من الزمن. لم يريا هذه الحالة من قبل، ولم يفهما أسبابها. عندما أخذت الأمور تهدأ داخل الحديقة، وقد غادرها حراسها، قالت عليل لرفيقها: - أنت السبب في كل ما حصل يا نسيم. - كيف؟ - لأنك أنشدت لحن الخلود مما أثار الجميع حيوانات عاقلة وغير عاقلة. - وهل تعتقدين أنّ الأرضيين يفهمون ألحاننا؟ - علمت، وأنا المختصّة في الأصوات، أنّ الموسيقى لغة كونية يفهمها كل الكائنات الحية في هذا الكون. - ولماذا أثارهم لحني إذن؟ - لأنّ الخلود هو مبتغى كل الكائنات الحية، ولن يدركوه أبدا. فالكون زائل لا محالة. - بدأت تتخلين عن الكسل يا عليل. - وأقولها مرة أخرى، أنت السبب، ماذا أصابك حتى تنشد لهؤلاء التعساء لحن الخلود؟ - بصراحة، لم أكن أعي ما أفعل. بزغت الشمس، وغردت بعض الطيور الحرة، وانطوى الليل وولى، وانجلى الصبح وغنى... فأردت أن أحيّيه بترتيل الغناء... مرسلا في الدوح ألحان الصفاء... وتذكرت التي كانت وراءه حين أفنيناه أنسا ومرحا... - ما هذه الشاعرية يا نسيم؟ - بصراحة هذا الكوكب جميل، وجوّه خفيف، وطبيعته غنّاء... - لكنّ أهله من العاقلين مجانين وإلا لما احتفلوا كل هذه الأيام يقتل بعضهم بعضا بعنف غير مبرر. - هذا تطور يا عليل، أخذت تتركين الكسل... - أقول لك بصراحة، أريد أن أرى نتيجة كل هذا العنف... وربما أتوصل إلى إرجاع الطفلة إلى أمها. ثم انطلقا يبحثان عن المستشفى. ولم يكن من الصعب العثور عليه في مدينة فاق عدد جرحاها الخمسة آلاف. كانت تنتصب قريبا من المستشفى شجرة صنوبر عجوز، حطا على غصن من أغصانها يشرف على باب المستشفى. وحضرا موسم حصاد الجثث والجرحى والمرعوبين، والباحثين عن المفقودين، وكل من ناله إرهاب الحيوان العاقل، صاحب جائزة نوبل للسلام، ونوبل للفيزياء، ونوبل للفلسفة، ونوبل للأدب، وكل نوبلات العالم الذي يدعي التحضّر والتمدّن، وحقوق الإنسان، وحقوق الحيوان، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل، وحقوق الطبيعة... وكانت الفرجة ! أشرطة رعب لا يقدر على تصويرها أمهر المخرجين لهذا النوع. فجأة قالت عليل مضطربة: - لقد نسيت الطفلة ثانية، هل في مقدورنا أن نعيدها إلى أمها؟ - لا يمكننا الدخول إلى بيوت الأرضيين بقاماتنا العملاقة هذه. بعد تفكير طويل، قالت عليل: - لنقم بجولة داخل المستشفى، يمكننا دخوله من السماء. ولمّا لم يجدا حيلة للوصول إلى الطفلة، قالت عليل بعد تفكير طويل: - لماذا لا نأتي بأمها إليها، فحسب ما رأيت في الشريط فإنّ الأم تقطن مكانا غير بعيد عن المدينة. ألم تقل أنك حددت المكان الذي تقيم فيه الأم. - وهو كذلك. - إذن لنطير إليها. عادا يطيران حتى وصلا ضيعة جميلة تنتشر على ساحتها الخضرة والأشجار المثمرة، وينتصب في طرفها بيت صغير. حطا أمام باب البيت. تقدمت عليل من الباب تطرقه، ابتعدت قليلا، وبعد لحظات خرجت امرأة في الخمسين من العمر، ظلت تنظر في كل الاتجاهات، ولما تقدمت بعيدا عن عتبة البيت لفها الطيران بجناحيهما العملاقة، ثم طارا بها إلى المستشفى. وضعاها أمام بابه، وظلا يترقبان ما ستفعله المرأة. بعد لحظات من البهتة، تقدمت إلى الباب وتحدثت إلى رجل يقف أمامه. توجه الرجل إلى غرفة صغيرة وتحدث في الهاتف. لم تمض بعض الدقائق حتى ظهر رجل يلبس بدلة بيضاء. جرت نحوه المرأة وارتمت في أحضانه، وأخذت تهمس إليه. مسكها من يدها وهمس لها مشيرا إلى داخل المستشفى، وانطلقا إلى البناية الكبيرة. قالت عليل وهي تطوي جناحيها في الفضاء: - هل سجلت كل ما قيل؟ - نعم. - قل لي ما ترجمته لك الآلة. - الرجل هو والد الفتاة، والمرأة زوجته، لهما ثلاث بنات، ماتا اثنين عندما تهدم عليهما سقف البيت، وظلت الثالثة التي أخرجناها من الأنقاض على قيد الحياة. - لم أفهم جيدا كل القصة لكني لم أر في حياتي أغرب من هذا الحيوان العاقل. وبعد لحظة سألت رفيقها: - هل هناك مكان يعيش فيه الحيوان الغير العاقل في أمان بعيدا عن الحيوان العاقل؟ بعد لحظات من التفكير قال لها رفيقها: - سأطرح السؤال على الحاسوب. ولم تمض بعض الدقائق حتى جاءه الجواب، فقال لأنثاه: - هناك غابة شاسعة ما زالت تعيش بها الحيوانات الغير العاقلة في حرية دون تدخل الحيوان العاقل. - لنسافر إليها ولنقض معها بقية شهر الكسل، لقد مللت هذا الحيوان الذي يدّعي العقل وهو مريض بعقله. سافرا إلى خط الاستواء في مكان لا تصله قدما الإنسان. أقاما مع الحيوانات بقية عطلتهما. ثم عادا إلى المغارة في صحراء الشام، أخرجا منها حاويتهما، امتطياها، شغّلاها، وانطلقت بهما إلى خارج الكرة الأرضية. وعادا إلى كوكبهما، وقد أقسما بأغلظ الإيمان أنهما لن يعودا إلى الأرض ولن يتصلا بالأرضيين حتى ينقرض منها الحيوان العاقل. الهادي ثابت تونس 28-02-2009 [1] هو نوع من القماش يشبه الموصلي يعرف بالغازي في أوروبا، وربما يكون صناعة غزاوية في القديم كما هو الشأن بالنسبة للموصلي من مدينة الموصل العراقية. التاريخ: 05/08/2009 @ 21:46
| المحتوى
كتب الهادي ثابت
الاغتصاب القرنفل لا يعيش في الصحراء جبل عليين غار الجن قصص لو عاد حنبعل من هو الهادي ثابت |


أعلى